الخيانة سلوك مُدمّر للذات وللآخر

إيمان أحمد ونوس:

تتأثّر السلوكيات الفردية ولا شكّ بمجموعة القيم الأخلاقية التي خطّتها النُظُم المُسيطرة في المجتمع (اجتماعية، دينية، ثقافية، سياسية… الخ) والتي تُعتبر الناظم الأساسي للحياة الإنسانية والعلاقات المجتمعية السائدة. وهنا يكون أيّ خروج عن هذه القواعد أو القيم بمثابة شذوذ غير مقبول. ولعلّ الخيانة بأيّ شكل تجلّت به تُعتبر أحد أهم الشذوذات المرفوضة في المجتمع، لِما تُلحقه من تبعات سلبية على من قام بفعلها ومن وقعت عليه سواء كان فرداً أو هيئة أو مجموعة أو وطناً، وهذه هي الخيانة العُظمى كما هو متعارف عليه.

فالخيانة سلوك يتمثّل في خرق الثقة الممنوحة للفرد من قبل فرد آخر، أو من قبل مجموعة ينضوي تحت لوائها، عبر تصرفات مُشينة وغير متوّقعة، لكنها مؤلمة بما تُحدثه من صدمة عنيفة تُخلخل العلاقة بشكل عام، وعليه تُصنّف ضمن الآفات الاجتماعية الخطيرة والمُدمّرة.

تتجلّى الخيانة بأشكال مُتعدّدة منها خيانة الأهل والأصدقاء، خيانة العمل والزملاء، خيانة الدولة، وخيانة المبادئ والأفكار والمعتقدات، إلاّ أن الخيانة العاطفية والجسدية لاسيما الزوجية هي المُتعارف عليها في المجتمع، لما تُمثله من أذية ودمار للعلاقة الزوجية والأسرية، خاصة في حال جاءت الخيانة من الزوجة باعتبارها رمز الشرف والأخلاق التي لا يجوز خرقها تحت أيّ دافع، بينما توجد للرجل/الزوج مختلف الأعذار والأسباب الموجبة والتي تحمل الزوجة وزر أغلبها، كأن يفقد اهتمامها وحبها، أو لأنها خسرت الحيوية والجمال المطلوب من وجهة نظره وحتى بنظر المجتمع والشرع الذي منح الرجل حقوقاً وسلطات أعلى سمحت له بكل شيء حتى بالخيانة. في حين لو نظرنا إلى الأنواع الأخرى للخيانة نجد أنها لا تقلُّ خطورة على المجتمع من الخيانة الزوجية، إن لم تكن أخطر منها، كخيانة الوطن التي ينجم عنها غالباً تدخلات خارجية وحروباً ربما تقوّض سلطة الدولة أو تعمل على انهيارها سواء عن طريق الحروب أو عن طريق إزاحة نظام الحكم بانقلاب سلمي كما حدث في بلدان عدّة سابقاً. وكذلك، فإن خيانة ثقة الأهل والأصدقاء، أو خيانة مبادئ وأسرار العمل والزملاء، فجميعها تعمل على خلخلة أواصر هذه العلاقات من خلال تسريب الأسرار الخاصة بأولئك المقرّبين، وأيضاً تدهور مستوى إنتاجية العمل والمهام الموكلة للشخص الذي خان مبادئها وأسرارها عبر الفساد والرشاوى وغيرها من مصالح شخصية تعلو وتسمو على المصالح العامة، ممّا يعمل على انخفاض أو تدني المردود المادي والصناعي أو التجاري ليس على المستوى الضيّق فقط وإنما على المستوى العام لاقتصاد الدولة والمجتمع.

ولكن لا يفوتنا أيضاً أن خيانة المبادئ والمعتقدات هي من أفظع أنواع الخيانة، فكم من مفكّرين ومناضلين ولأسباب ودوافع ومصالح ذاتية تنكّروا لأفكارهم ومبادئهم التي عشقها وسار عليها الملايين ردحاً من الزمن، ففقدوا الثقة بها وبأصحابها بين عشية وضُحاها ما خلخل الثقة والمفاهيم والقيم لدى أولئك الناس الذين كان التيه والتخبّط مصيرهم في أحلك الظروف وأصعبها. أمّا في الاتجاه الآخر، فقد سادت بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة وفي مختلف المجتمعات والبلدان أشكال من الخيانة تمثّلت بخيانة مبادئ الديمقراطية مثلاً، أو مبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، حتى أن الهيئات الدولية ساهمت في هذه الخيانة عبر الكيل بمكيالين تجاه العديد من القضايا المصيرية والإنسانية والحقوقية، فما هو حق هنا، مرفوض وممنوع هناك. غير أن أخطر ما في الخيانات الوطنية هو خيانة الحكومات لشعوبها وبلدانها وتنكّرها للدساتير التي تنظم مسؤولياتها وواجباتها تجاه الشعب وحقوقه الأساسية ما يدفع للمزيد من الفقر والجهل والتخلّف على جميع المستويات.

وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة في البحث عن أسباب الخيانة ودوافعها من قبل بعض علماء الاجتماع والتي تمّ من وجهة نظرهم حصرها بثلاثة عوامل (وراثية، اجتماعية، ومؤثّرات خارجية)، إلاّ أن هذه الجهود لا تزال تقبع في حيّز النظريات العامة لا أكثر، وسواء اتفقنا مع هذا التصنيف أم لا، تبقى الخيانة ظاهرة مرفوضة اجتماعياً وبمختلف المقاييس، لأنها تزعزع الثقة بين الناس، وتُخلخل القيم والعلاقات الأسرية والاجتماعية والمهنية، إضافة إلى النبذ الاجتماعي الذي يعيشه الخائن، ما يدفعه للاستمرار بها انتقاماً لما لاقاه من مصير، وهنا لا بدّ سنبقى في دوامتها إن لم يمتثل الخائن (كفرد أو هيئات ومجموعات) لخطورة ما يقوم به على نفسه والآخرين.

العدد 950 - 3/03/2021