الخيانة هي الخيانة.. مهما اختلفت القيم واخترعت المبررات

إيناس ونوس:

تختلف المعايير الأخلاقية من مجتمع إلى آخر، ما أوقع الباحثين الاجتماعيين والنفسيين في مطب محاولة البقاء على الحياد في كثير من الأمراض السلوكية النفسية المتفق عليها عموماً على اختلاف تلك المعايير والقيم، ومن هنا كانت دراسة فعل الخيانة وتعريفه كمرض نفسي سلوكي من أعقد ظواهر تلك الأمراض السلوكية، فالخيانة خطيئة تتسم بالظلم، والظلم هو الفعل الأقسى والأعنف في استفزاز العواطف الإنسانية على مرّ التاريخ، غير أن علماء النفس السلوكي، على تعدّد مدارسهم، استطاعوا الاتفاق على تعريف فعل الخيانة من خلال رجوعهم إلى دراسة الحالة النفسية والتربوية والاجتماعية التي خضع لها الخائن في صغره، ثم مع مختلف مراحل تطور شخصيته ونموها، فتعريف الخيانة من وجهة نظر علم النفس هي انتهاك أو خرق لعهد مفترض أو للأمانة أو للثقة في كل العلاقات سواء تلك القائمة بين أفراد، أو بين منظمات، أو بين الأفراد والمنظمات معاً، ناتجٌ عن صراع نفسي ذاتي في بادئ الأمر بين المسموح والممنوع وفقاً للتركيبة المجتمعية عامةً، يتحوّل فيما بعد إلى نمطية سلوك دائمة.

وقد ركّز كل من علماء النفس إريك إريكسون، ألفرد إدلر، غوردن ألبورت، فرويد، إضافة إلى أتباع المدرسة الجشتالية على أن السمات الشخصية أي الميول الفردية للانحراف السلوكي هي الدافع الأول لفعل الخيانة، بردّهم هذا الفعل إلى الإفراط في التربية (كالتدليل الزائد أو القسوة الزائدة)، مُشدّدين على دور الأنا الفردية للخائن، الذي يعطيه المبرر الدائم لأي سلوك ينتهجه غير آبه للنتائج ولآثار فعله هذا على الآخرين المحيطين به، موضحين أن حدّة فعل الخيانة تختلف من شخصية إلى أخرى، فهناك من يقوم بها تبعاً لحب الاستطلاع أو انصياعاً لرغبة ما، وهناك من يقوم بها نتيجة انحلال أخلاقي، وهنا لا ينفكُّ الخائن يرتكب فعل الخيانة بشكل متكرّر دون أدنى شعور بالذنب.

وجاء في تعريفهم للخائن بأنه شخصٌ أنانيّ لا يُراعي مشاعر غيره، فهو يتصرّف تبعاً لمصلحته التي يُفضّلها على كُل الأشخاص من حوله مهما كانوا مُقرّبين منه، ولا يضع اعتباراً للثقة التي منحوه إياها، نتيجة شعوره الدائم بالنقص والمتزامن مع عدم قدرته على مقاومة المغريات حينما تبدأ عملية التقييم الذاتي لأي موقف يخضع له، ما يجعله يعتاد لاحقاً على تكرار فعل الخيانة مرات ومرات دونما أي اكتراث أو تحريك للوازع الأخلاقي، خالقاً مبررات دائمة تتوافق مع مصلحته الخاصة في مرحلة استيقاظ الوعي أو الضمير في البداية، تمسي مع مرور الوقت سمة شخصيته وهويته.

وعلى هذا، فأشكال الخيانة عديدة، منها ما يتعلّق بالمحيط الضيّق للشخص الخائن انطلاقاً من خيانته لذاته أولاً، ثم للقيم التربوية والاجتماعية والأخلاقية التي نشأ عليها، ما يؤدي إلى أنماط متنوعة مثل الخيانة الزوجية والخيانة الأسرية القائمة على عدم القدرة على تحمّل المسؤولية، إضافة إلى خيانة الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية المرتبط بها بشكل أو بآخر، ومنها ما يتعلّق بالمحيط الأكبر ألا وهو المجتمع برمّته كخيانة العمل التي تقوم أيضاً على عدم تحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقه وبحثه عمّا يؤمّن له مصالحه الخاصّة فقط دون التفكير في النتائج الكارثية لفعله هذا، كخيانة المسؤول أو المدرس أو الطبيب أو المهندس أو المربي أو الموظف أو عامل التنظيفات …إلخ، ما يؤدي في النهاية إلى خيانة الوطن ككل، وهنا تتمثّل أخطر أشكال الخيانة أو ما تسمّى بالخيانة العظمى، فمن يخون بأمر صغير أو شخصاً واحداً لديه القدرة على اقتراف الخيانة الكبرى، ومن استطاع القيام بهذا الفعل مرة واحدة سيتمكّن من فعلها مرات ومرات مثله مثل من اعتاد القتل بمعناه المجازي المعنوي والنفسي أو بمعناه الملموس الواقعي.

ومهما وجِدَتْ التبريرات، ومهما تعدّدت وتغلّفت بتعابير لغوية رنانة، أو بحاجات مادية أو معنوية، يبقى مفهوم الخيانة واحداً، ومرفوضاً رفضاً قاطعاً، هذا الرفض يدفع الأشخاص الذين وقع عليهم هذا الفعل للانتفاض بصور شتّى، وكم هي كثيرة هذه الصور التي نعايشها يومياً دون أن نتمحّص دوافعها وجذورها بدقّة واهتمام، فالطالب الذي يخونه مدرسوه سينتفض بوجههم بسلوكيات متنوعة، والطفل الذي يخونه والداه سيقوم بردّات فعل غير متوقعة، وهكذا إلى أن نصل إلى الشريحة الأكبر _ المجتمع _ الذي تخونه حكوماته وتحرمه من أبسط حقوقه كإنسان له كامل الأحقية بالعيش والإحساس بقيمته.

وبالرغم من كل العطاءات التي يقدمها المستفيدون من فعل الخيانة لذاك الخائن، إلاّ أنه سيبقى على الدوام موضع تحقير عندهم فلا يحترمونه ولا يأمنون جانبه، لقناعتهم بأن من يقترف أشنع الجرائم بحق أقرب المقربين له سيفعلها بحق غيرهم وسيكون تابعاً لمن يعطيه أكثر، والتاريخ شاهد على عدّة نماذج وعلى نهايتها على يد من استفادوا منها، قبل أن تكون على يد الضحايا الذين لا ذنب لهم سوى أنهم منحوا الثقة والأمان لمن لم يقدّرها ولا يصونها، وليس على المستوى الجماعي فقط بل على أبسط المستويات وأضيقها، وكما أن لكل فعل رد فعل يقابله بالشدّة ويعاكسه بالاتجاه، فإن لوقع فعل الخيانة ردّ فعل مخيفاً لأنه قائم على الشعور بالظلم وانعدام الأمان، فهلا انتبه كل منا، أفراداً وحكومات، لأفعاله؟

العدد 950 - 3/03/2021