ما زلت أبحث عن شيء حين ضاع ضيّعني

ريم داوود:

يا له من يوم مشرق!

دفء شمس الصباح كأيام ذاك الربيع الدافئ الحنون، أتجوّل برفقة أطفالي بغية استقبال خيوط الشمس لنُدفئ بها عظامنا التي غزاها برد جدران المنازل، فالخلاء في هذا الجو أحنُّ علينا من منازلنا. أسير برفقتهم وتعلو ضحكات الطفولة، وملامح الدهشة قد كست نير صغيري عندما داس على ظلّه، فنظر إليّ نظرة العجب!!

تابعنا مسيرنا ووصلنا إلى إحدى الحدائق العامة، فذكريات الطفولة مهما كبرنا نستعيدها في أماكن كهذه. انطلق طفلاي كصفورين مُحلّقين بين الأراجيح بينما جلستُ أراقب سعادتهما، أنظر إليهما نظرة الأمل.

(الله يحميلك ياهن ويعطيهن أيام حلوة!) هكذا بدأت إحدى السيدات مداخلتها فبادلتها التمنيات والشكر، تابعت السيدة كلامها وكأنها تنتظر قدوم أيٍّ كان لتروّح عن نفسها وتفضفض ما بداخلها: (يا ترى رح يجي يوم ويعيش هالجيل أفضل من هالظروف؟) (رح يرجع هالجيل يفيق ويجدد القيم لي ربينا عليها.. ولّا عالدنيا السلام؟)!

أجبتها: يا مدام إن خليت خربت، ضحكت وكأنني طرحتُ إحدى النكات، فأكملت: أكتر من هيك؟ ساد الصمت أثناء جلوسنا، لكن الألم كان واضحاً في عينيها اللتين كادتا تدمعان، تطفّلت بعض الشيء: يبدو أنك تعانين ما تعانيه، أشعر بذلك فهذا حالنا جميعاً.

أجابت: نعم فنحن في زمن يملؤه الكذب والخداع لدرجة أنهم اخترعوا لعبة للصراحة! ابتسمتُ مؤيّدة ما تفضلت به، فأضافت: كم من خائن لا يُشنق بل يشنق الآخرون! وأسوأ ما فيها أنها لا تأتيك من عدو!! ظننتُها لوهلة تتكلّم عن زوجها أو ما شابه ذلك، وتابعت: إياكِ والثقة العمياء، فقد صدق محمد الماغوط عندما قال: اتفق العرب على خيانة كل شيء!

ضحكتُ وعلا صوت ضحكي وذهبت بعد ذلك تلك السيدة حتى دون أن أعرف اسمها. جلستُ أفكّر بجملتها: (أسوأ ما في الخيانة أنها لا تأتيك من عدو)!

فمنذ عشر سنوات ونحن نُشنَق في أهدافنا، أحلامنا، طموحاتنا وقوتنا، فليست الخيانة هي تلك التي تقودنا إليها أفكارنا بالمطلق، ليست الخيانة هي كل ما يتعلق بالزواج والحب والعلاقات العاطفية، فنحن في كل يوم نخون ونتعرّض للخيانة وسط هذه الظروف القاهرة، في كل يوم نخون مبادئنا ونتخلّى عن واحدة منها، وفي كل يوم نتعرّض للخيانة من تاجر، عامل، مستورد، مورد وموظف، حتى بدأت أخشى أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه الخيانة وجهة نظر، فلا فرق بين خيانة الضمير وخيانة الواقع إلاّ من حيث التنفيذ.

في واحد من الأفلام الأجنبية التي تتصف بالخيال العلمي، يصوّر الكاتب الحياة وقد أصبحت تعتمد على عدد ساعات يمتلكها كل فرد، وتكون مطبوعة على ساعده وتغدو حياة الأفراد لزوماً بما يمتلكونه من دقائق وثوانٍ تنتهي مع انتهاء الثانية الأخيرة. يعرض الكاتب مشهداً يبيّن فيه الفوارق بين حياة الطبقة المخملية وعامة الشعب، وكمّ الخيانة التي يتعرّض لها الأفراد بغية سرقة أوقات حياتهم، حالة من الشغب والفوضى واللانظام تسود عامة الشعب، في حين تعيش الطبقة المخملية برفاهية لا متناهية، كيف لا وهم يمتلكون ما شاؤوا من ساعات الحياة؟

فهل نعيش اليوم المشهد ذاته بصورة مختلفة؟ أم أن ما نعيشه أسوأ من ذلك بكثير!؟

العدد 950 - 3/03/2021