المستجدّات لا تلغي القانون

د. أحمد ديركي:

تكثر التنظيرات والمقاربات من أجل اجتراح الحلول لظاهرة النزاعات المرافقة للجنس البشري، وبتحديد أكثر منذ بداية التأريخ المكتوب للجنس البشري. فالنزاعات ما فارقت يوماً تأريخ الجنس البشري، ولكنها لم تُبحث بشكل علمي إلا حديثاً، إلى حد أصبحت فيه النزاعات فرعاً رئيسياً من أفرع العلوم الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر (علم اجتماع النزاعات).

أكثر ما تجلت به النزاعات في صيغها المتنوعة والمتعددة تجلت مع بدايات ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي وما زالت قائمة حتى تاريخه، متخذة ما لا يُعد ولا يحصى من الصيغ، ومنها على سبيل المثال النزاعات بكل أشكالها سواء كانت داخل الحدود الجيو-سياسية للدولة بالمفهوم الحديث، أو الحروب ما بين الدول الحديثة.

ظاهرة استلزمت مع تطور العلوم مقاربتها بشكل علمي، وهذا ما يحدث فعلاً منذ بدايات ستينيات القرن المنصرم، وهي متطورة مع تطور نمط الإنتاج القائم. من هنا يمكن لحظ تطور مقاربات النزاعات منذ حينها ولغاية تاريخ اليوم. إلا أن كل التطورات التي حدثت منذ ستينيات القرن المنصرم وحتى تاريخه لا تلغي منهج المقاربة وأسسها، بل تضيف إليه ما يستجد من تطور يصيب الظاهرة لاستكمال دراستها بمنهج علمي. وليس كما يظن البعض أن (المستجدات) تلغي المنهج العلمي وأسس المقاربة، فالأمور تبقى قائمة بقيام الظروف.

لتوضيح المقصود بهذا، نأخذ على سبيل المثال ظاهرة الجاذبية، وهي ظاهرة من ظواهر الطبيعة، وتخضع مقاربتها للعلوم الطبيعية.

توجد الجاذبية مع وجود الأجسام ذات كتلة، فلكل كتلة قوة جذب. ما قبل إسحاق نيوتن كانت تفسيرات ظاهرة الجاذبية تفسيرات غيبية، ومع نيوتن انتقلت التفسيرات من تفسيرات غيبية إلى علمية، مع لحظ أن عملية الانتقال من تفسير غيبي إلى علمي لم تحدث فجأة ولا كانت وليدة لحظة، بل حدثت بسبب تراكمات سابقة، وهنا يمكن الحديث عن تراكمات كمية تؤدي إلى تغيّرات نوعية. وضع نيوتن الأسس العلمية لمقاربة هذه الظاهرة بعد أن كشف عن جزء كبير من قوانينها الحاكمة لها. منذ نيوتن وحتى تاريخه يعمل بقوانين نيوتن لمقاربة الجاذبية، ولكن لحق بقوانينه العديد من الإضافات بسبب تطور العلوم، أي إن هناك العديد من (المستجدات) التي لحقت بقوانينه.

لم تلغِ كل هذه المستجدات قوانين نيوتن، بل جعلتها أكثر علمية وأكثر مصداقية. ومن ضمن أكثر (المستجدات) على قوانين نيوتن ما وضعه ألبرت أينشتاين حول مسألة الجاذبية ونقل الفيزياء من فيزياء كلاسيكية (classical physics) إلى فيزياء كوانتية (quantum physics).

مقاربة النزاعات مثلها مثل مقاربة الجاذبية. كانت في البدء تقارب غيبياً، صراع آلهة فيما بينها، أو غضب آلهة على الجنس البشري لأنه لم يعبدها بشكل صحيح، أو… غير ذلك. ولم تقارب على أسس علمية إلى أن أتى كارل ماركس وفردريك أنجلس واكتشفا الأسس العلمية والمنهج العلمي لمقاربة النزاعات. ولكن النزاعات، مثلها مثل الجاذبية، ليست بحديثة النشوء، أي لم تنشأ مع نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي بل (إن تاريخ كل مجتمع (وعلى الأصح التاريخ المكتوب) إلى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ نضال بين الطبقات)_ البيان الشيوعي، ص 49. إلا أن هذا، أي الصراع الطبقي، ما قبل نمط الإنتاج الرأسمالي لم تكن صيغة كصيغة ما قبل نشوء نمط الإنتاج الرأسمالي، بل مع نشوء هذا النمط حدثت عليه (مستجدات)، وعلى هذه المستجدات أن تؤخذ بعين الاعتبار لتكون المقاربة علمية، كمقاربة الجاذبية مع نيوتن وأينشتاين. فالمجتمع البرجوازي الحديث، أي مع تشكل هذا النمط الإنتاجي وما نجم عنه من صيغ جديدة، (لم يقضِ على هذا التناحر بين الطبقات، بل أقام طبقات جديدة بدلاً من القديمة، وأوجد ظروفاً جديدة للاضطهاد وأشكال جديدة للنضال)_ البيان الشيوعي، ص 50.

الادعاء بتناسي الجاذبية لا يلغي حقيقة أننا إن قذفنا بحجر إلى الأعلى فإنه يسقط على الأرض، والادعاء بتناسي الصراع الطبقي في المجتمع البرجوازي الحديث لن يلغي النزاعات ويجعلها من التاريخ، بل ادعاء تناسي الجاذبية يعني سقوط الحجر على الأرض، وادعاء تناسي الصراع الطبقي يعني قيام نزاعات أعنف وأعنف في المجتمع البرجوازي الحديث.                

العدد 950 - 3/03/2021