الغيرة عاطفة بنّاءة هدّامة

إيمان أحمد ونوس:

تُعتبر الغيرة في حدّها الطبيعي عاطفة إنسانية طبيعية يشعر بها الجميع من حين إلى آخر، فتُشكّل حافزاً للعمل والإنجاز على مستويات متعدّدة أو مختلفة. غير أنها تتحوّل إلى حالة انفعالية سلبية حينما تصل إلى درجة الشكّ والتشهير.

ولا شكّ أن الغيرة تشمل جميع الفئات والأعمار على مختلف المستويات الأسرية والاجتماعية الأخرى. فهناك غيرة الطفل من قدوم مولود جديد في أسرته، وغيرة الإخوة من بعضهم، أو غيرة زملاء الدراسة أو العمل، لكن أشهرها على الإطلاق الغيرة بين الزوجين، أو الحبيبين. وغالباً ما تظهر الغيرة لأسباب عدّة، أهمها عدم الثقة بالنفس وبالآخر، الإهمال الذي يشعر به أحد الطرفين من قبل الأهل، أو الشريك، النجاح الذي يُحقّقه الزملاء. وقد تقود الغيرة إلى سلوكيات عدائية تجاه الأشخاص الذين يعتقد الشخص الغيور أنهم السبب في خسارته لما حقّقوه هم.

إن الغيرة، باعتبارها عاطفة إنسانية طبيعية، يمكن أن تأخذ منحيين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، وذلك تبعاً للبنية النفسية للشخص الذي يشعر بها. ففي المنحى السلبي تتحوّل الغيرة إلى انفعال مركّب يجمع بين الغضب وحبّ التملّك، وهذا ما يدفع الغيور إلى التشهير وإلحاق الأذى بالطرف الآخر عبر مسلكيات عدوانية مؤذية له وللآخر الذي قد يكون أحد الإخوة الذي يعتقد أنه ينال اهتماماً ومحبة من الأبوين أكثر منه، وقد يكون زميلاً في العمل وصل إلى مكانة مهنية أو إدارية أفضل من مكانته، أو زميلاً في الدراسة حقّق مُعدّلات وإنجازات أكبر. وهنا تعمل هذه الغيرة على خلق صراعات نفسية متعدّدة، وتُشكّل خطراً على التوافق الشخصي والاجتماعي، لما يُصاحبها من قلق وتوتّر من صاحبها أثناء تفاعله مع الأشخاص الذين يغار منهم. وتعود أسباب هذه الحالات برأي الأطباء أو المختصين النفسيين إلى طبيعة التنشئة والتربية التي تلقّاها الشخص الغيور والتي لا تخلو من عدم النضج العاطفي والخوف، إضافة إلى الأنانية وحبّ الذات والرغبة الدائمة في لفت انتباه الآخرين والخشية من خسارة كل هذا إذا ما وجد أشخاص آخرون قد يحظون بالاهتمام ذاته.

لكن علينا ألاّ نُغفل أن مسألة الغيرة بين الأزواج هي الأخطر على الإطلاق، لما تُسببه من مشاكل وخلافات تصل إلى حدّ ممارسة العنف ضدّ الشريك المُتَّهم بما يؤثّر على العلاقة بين الزوجين من جهة، وعلى علاقتهما بالأبناء وكيان الأسرة من جهة ثانية، لاسيما حين تصل إلى درجة الغيرة المرضية التي يُصاحبها الخوف وفقدان الثقة والأمان مترافقاً مع أمراض جسدية لا تقلُّ خطورة عن الأمراض النفسية المرافقة لها.

يرى تيودور روبين أن الغيرة تتولّد في أنفسنا من الشعور بأن لدينا القليل ممّا يمكن أن نقدمه للشريك مقارنة بما لديه.

أمّا البروفسور الأمريكي جوردون جلانتون أستاذ علم الاجتماع، فقد عرّف الغيرة بأنها: قد تكون عاطفة كريهة تولّد في صاحبها قلقاً ورغبة في التملك… وقد تكون استجابة صحيحة عندما نرى حبّنا لشخص مُعرّضاً للخطر، فالغيرة في هذه الحالة قد تكون حماية للحب.

وهنا يمكننا القول إن العلاقة بين الغيرة والثقة علاقة عكسية، فكلما عظُمت الثقة بالنفس وبالآخر تقلّصت مساحة الغيرة وبقيت فقط في حدودها الإيجابية والبنّاءة، والعكس صحيح. وهنا نصل إلى المنحى الإيجابي للغيرة من حيث هي عاطفة إيجابية بنّاءة ترتقي بالشخص إلى مستويات أفضل حين يمتلك الثقة بنفسه وإمكاناته، وهنا تتحوّل إلى دافع إيجابي حين يبحث الشخص عن أسباب نجاح الزميل في دراسته أو عمله، فيعمل على اكتساب المزيد من المعارف والمهارات التي تؤهله للنجاح والتميّز، إضافة إلى الشعور بالحب والامتنان للشخص الذي كان دافعاً له ليصل إلى مبتغاه.

قال أحدهم: أجمل أنواع الغيرة غيرة الحب، وأسوأ أنواع الغيرة غيرة الحقد.

فلننمِّ في داخلنا مشاعر الحب والثقة بالنفس وبالآخرين، لنكون أحراراً أكثر، وسعداء بمقدار ما نرى السعادة في نفوسهم.

العدد 950 - 3/03/2021