قحط.. محط!

محمود هلال:

يُقال إنَّ كانون (فحل الشتاء)، أي أغزر أشهر السنة مطراً، ويبدو أن أمور هذا الفحل على غير ما يرام هذا العام، وعلى ما يبدو تأثرت خصوبته وانخفضت مع التخفيضات التي أجرتها بعض الجهات الحكومية مع بداية هذه السنة، فخفضت مادة الطحين بنسبة 16% والبنزين 17% والمازوت 24% وزادت مدة استلام أسطوانة الغاز إلى ثمانين يوماً أو أكثر وزادت من ساعات التقنين الكهربائي فيصل أحياناً إلى 7 ساعات قطع، والغريب بالأمر الشيء الوحيد الذي لم تُجر تخفيضاً عليه هي الأسعار فقد زادت اشتعالاً ولهيباً.

في هذا الشهر العصيب، الكل يريد أن يثبت فحولته، فقد استفحل بردُ كانون هذا العام وتأخرت أمطاره، وعلى ما يبدو هذه السنة سنة (قحط.. محط) لكن البرد يشتد يوماً بعد يوم وتنسم علينا كل يوم نسمات زمهريرية باردة من مفرق الوادي تنخر عظامنا فتوقظنا من عز النوم لنرقص على أغنية جبار آه كم أنت جبار أيها الشعب الصامد يا جبل ما يهزك ريح الصابر على كل الهموم والشقاء والبلاء وقد أثبت أنك أصبر من أيوب خلال هذه السنوات العجاف التي لم تنته بعد.

في هذا الشهر الكانوني زادت أسعار وسائل التدفئة من مازوت وغاز وحطب، وكل مصدر دفء، وقد نخر البرد أجساد الناس وجيوبهم الفارغة، وقد كشّر تجار المحروقات عن أنيابهم وخاصة في المناطق الباردة والقريبة من البادية، وأخذوا يتحكمون بسعر المازوت ويرفعون سعره كما يشاؤون وفق الظروف الجوية الباردة، فقد وصل سعر ليتر المازوت في السوق السوداء إلى نحو 1200 ليرة وكذلك سعر البنزين إلى 2000 ل.س وأسطوانة الغاز إلى نحو ال 30 ألفاً والسؤال المحير: كيف يصل هؤلاء على تلك المواد رغم أنها توزع على البطاقة الذكية؟ وأين الجهات الرقابية من كل ذلك؟ إلى الآن لم تستلم إلا قلة قليلة من الناس مستحقاتها من المازوت هذا العام والكثيرون ينتظرون رسالة المحروقات بفارغ الصبر، وباتوا يتفقدون يبحثون في الرسائل الواردة على أجهزتهم الخليوية أكثر من مرة في اليوم حتى (تبلقت عيونهم)، والكثيرون أحرقوا ما توفر عندهم من قطع بلاستيكية وأحذية وألبسة بالية ومستعملة، وهناك من أحرقوا كتبهم ودفاترهم القديمة وأشعارهم ورسائل الغرام والحنين والغربة.

إن سبل التدفئة تلك شكلت الكثير من المشاكل والأمراض نتيجة انبعاث الغازات والروائح الكريهة، وتسببت بأمراض صحية وتنفسية للكثيرين، الأمر الذي سيزيد (الطين بلة) ويتطلب نفقات إضافية للدواء وكشفيات للأطباء وقد باتت لا تطاق!

لقد أثبت الغلاء فحولته في هذا الشهر أيضاً، ، إذ ارتفعت جميع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والتموينية (سكر، أرز، الزيوت، السمنة، القهوة، المتّة،…الخ) وغيرها من السلع ، وأخذت الأسعار تنط بشكل متقطع النظير، الأمر الذي أدى إلى تخبط بالأسواق ، وكذلك فقدان بعض المواد في الأسواق، واحتكارها من قبل بعض التجار والباعة  لكي تباع بأسعار أعلى، والخوف والقلق مازال هو سيد المشهد، خاصة عند أصحاب الدخل المحدود والموظفين، إذ يرون رواتبهم وأجورهم تتهاوى أمام ارتفاع الأسعار، بين لحظة وأخرى، وباتت لا تغني ولا تسمن، وبات الراتب يحتاج إلى أضعاف مضاعفة ليكفي الحاجات الأساسية والضرورية للأسرة، وذلك مع كل الإجراءات التي اتخذتها الأسرة السورية من سياسات شد الأحزمة على البطون للآخر، وإلغاء للعديد من أصناف الطعام والشراب والنفقات، وإعلان حالة  الاستنفار في جميع الأوقات وعلى مدار الـ24 ساعة.

مازلنا محكومين بالأمل والتفاؤل بالأيام القريبة القادمة، وأن يكون هناك حلول ومعالجة سريعة للأوضاع المعيشية الصعبة، وأن يحمل شتاء هذا العام الخير والبركة لكل السوريين والسوريات الصامدين في هذا الوطن الحبيب.

العدد 950 - 3/03/2021