المعايير المختلفة.. أيّ ديمقراطية لمن يمتهن الخنق؟

الدكتور سنان علي ديب:

يأخذ موضوع الهجوم الغوغائي على ما يسمى مبنى الكابتول أو مجلس النواب الجزء الأكبر من تغطيات الإعلام العالمي أو الجزء الأكبر من الإعلام المعولم، الذي كان أحد أدوات الأمركة حقيقة وتسترت تحت غطاء ما سمي العولمة، وردّة الفعل من قبل جزء من البنى الأمريكية كذريعة لتحميل شخص مسؤولية الانحرافات الأمريكية عن المعايير الدولية للشعارات الجوفاء المطروحة، التي سخرت لها دول التحالف الإمبريالي من ديمقراطية وقانون دولي وشرعية دولية وحقوق إنسان وعدالة إنسانية، والغاية منها تضليل وخلق الصدامات وتشويه البنى وتهشيم المجتمعات وزيادة البؤس والألم لدول وشعوب طالما حاول الاستعمار حصرها وخنقها وطردها للخلف والتخلف وعرقلة نموها وتنميتها، كل ذلك بحجج الحرية والليبرالية والإصلاح الهيكلي وترميم البنى، وتكون النتائج هي العودة إلى ما قبل الجاهلية.

وهنا ندخل في عمق موضوعنا: هل ما قامت به الولايات المتحدة من غزو استعماري وأسلحة ليبرالية سوداء وخنق اقتصادي وهذا المصطلح وأدواته كان عنوان مقالة سابقة منذ حوالي شهرين بجريدة تشرين ولذلك لن نعيد تفاصيله إلا ما جددته دولة الاستكبار من تصريحات كونها تغدو لزيادة العقوبات وتقوية أدواتها لتمرّر، بالتجويع والتفقير والقتل، أجندات استعمارية جديدة.

هل ما قامت به هو سياسة فردية ترامبية أم كان ترامب هو المنفذ لسياسات عميقة؟ وهل ردة الفعل ضد أتباع شخصية هوليودية حققت للولايات المتحدة مفاعيل مالية غبر إرهاب عالمي وسط تفرد مافيوي للدولة التي سخرت الكل لتصل إلى القيادة المنفردة ووصلت؟ الدولة التي ضللت الجميع بمصطلحات ومعايير جوفاء وتعمل كالحرباء!

الدولة التي أشعلت الحروب وأدارت الصراعات لمنع الحلول واستفاضت بالإرهاب بكل أنواعه هل تفقير وتحويع وتصحير افغانستان وتدمير يوغسلافيا وحصار وقتل وتفقير وتهجير العراق وإغراقه بالديون وسرقة ثرواته وقتل سكانه هل هي أقل إرهاباً من الهجوم الشعبي على الكابتول الذي ذهب ضحيته ٤ أم أن الدم الأمريكي والمواطن الأمريكي أغلى وأن دماء الآخرين لا قيمة لها؟ هل الحصار الظالم على سورية والعقوبات الإرهابية والتي تتجاوز الشرعية الدولية والقانون الدولي وتخالف كل المبادئ الإنسانية وأفقرت الأغلبية وجوعت وقللت الموارد وما نجم عنها من أمراض اقتصادية واجتماعية خطيرة نتيجة ما سميناه الخنق الاقتصادي لمنع شرايين الاقتصاد من العمل وقطع الهواء عن الجسم الاقتصادي، وبالتالي محاولة قتل بلدان كاملة عبر التفقير والتجويع والتهجير، وكل ذلك لفرض أجندات استراتيجيتها استمرار الخنق والتبعية ومنع أي تقدم وحيوية.

ألم يسمع الشعب الأمريكي والغربي بما يحصل نتيجة الإرهاب الاقتصادي المخالف لكل التشريعات والقوانين الدولية ونجم عنه قتل الملايين؟ ألم يسمعوا بمجاعة أطفال اليمن بحوالي ٥ ملايين جائع ومئات آلاف الموتى أم هؤلاء لا ينتمون للإنسانية؟!

ألم يسمعوا بما يتداول من تشديد عقوبات على سورية من أجل الخضوع لتدخلاتهم بما لا يحق لهم لتقسيمها وفرض أجنداتها ولاستمرار القتال والصراع لتتحول دولة فاشلة؟ لا نعرف هل هذا حق وحضارة وتطور أم إرهاب مزدوج؟ فهو إرهاب متعدد الأنواع وهو تجاوز للقوانين والتشريعات الدولية الناظمة لإيقاع التوازن العالمي.

أليس هذا انتهاكاً لما يدعون تسميته حقوق تقرير المصير بعرفهم باستثناء أعمال العنف ما قام به أنصار ترامب هو حق التظاهر للتعبير عن حالات غش وخداع وتزوير من أجل تحميله ما نجم عن بلدهم من إرهاب من المؤكد لن يتراجعوا عنه، ولكن سوف يغيرون قبعاته.

ولكن الدفاع عن الأوطان ورفض تدخلاتهم الدموية وخنقهم اللا إنساني ومواجهة الإرهاب هو الإرهاب.

بنظرنا أي قتل خارج القانون إرهاب مهما كانت قومية القتيل ومذهبه وجنسيته، ولكن بنظرهم هم والصهاينة شعب الله المختار.

أي إرهاب هذا من يفكر بزيادة الخنق الاقتصادي الإرهابي لدولة لا علاقة لهم بها ومعها وهم في خضم صراع بربري غير متحضر مورست به كل أساليب منع الحريات كما وجدنا بقطع وسائل التواصل عن طرف واحد وتجيير الإعلام لفرض رؤية واحدة.

هذه الازدواجية ليست وليدة اليوم ولا الأمس ولكنها متجذرة منذ نشأة بلدهم الذي تشكل بمزج متعدد الجنسيات وليس وليد تواتر حضاري ومخزون معرفي وثقافي وقيمي كما هي البلدان التي سخروا كل أدواتهم العنفية لتدميرها وفصلها عن تاريخها وتكريس تبعيتها للقادمين الجدد.

أي دولة تفكر في خنق الآخرين بخنق اقتصادي ناجم عن زيادة الحصار وتقوية العقوبات وبلدها في أزمة سياسية وأخلاقية داخلية؟

من المؤكد هكذا دول تمارس الإرهاب وتزيده لتخفي عوراتها ولتضلل بادعاءاتها.

من الليبرالية المنافقة ذات المعايير والنتائج المتوحشة لخنق اقتصادي يقضي على الخيارات ويقيد أي حرية تحاول أن تقوم بها دولة ذات سيادة ومن حقها أن تمنع أي آخر عن تقويضها.

من المؤكد أن هكذا دول مارقة تحاول ضبط بلدانها بنهب وسرقة وإرهاب الآخرين لا يمكن أن تكون إلا عبر معايير كاذبة ومنافقة وخانقة.

ولكن مهما زاد خناقهم وتضاعف إرهابهم سيكون طريق الخلاص أقرب ومن صبر وتحمل عشر سنين لن يصعب عليه تحمل عدة شهور.

مهما طغت وتجبرت دولة الخنق الاقتصادي لن تستطيع قتل شعب متحصن بتاريخ عميق وحضارات متعاقبة ومعارف ما زالت تبني حضارات العالم، ولن تستطع نسيان قوة وإرادة خالق وناظم الحياة والكون.

العدد 949 - 24/2/2021