فاتورة استيراد السكر الباهظة

صفوان داؤد:

تشكلت (المؤسسة الوطنية للسكر) في عام ١٩٧٥ وفقاً للمرسوم التشريعي ١٤٤٦ لإدارة وتسويق وإنتاج السكر في سورية، وتضمّ ست شركات ومعامل (حمص، الغاب، تل سلحب، مسكنة، الرقة، دير الزور). وتعد مادة السكر واحدة من ٤١ مادة استراتيجية مدرجة في قائمة المستوردات الرسمية للحكومة السورية.

 قبل اندلاع الأزمة السورية عام ٢٠١١ بلغ إنتاج البلاد المحلي من الشوندر حوالي 1.79مليون طن، وبالمتوسط تعطي كل سبعة أطنان شوندر طنّاً واحداً من السكر، منتجة بذلك ١٨٠ ألف طن سكر أبيض، في حين بلغت المستوردات ٥٧٩ ألف طن سكر خام منها 194.5 ألف طن سكر أبيض، من ثلاثة بلدان توريد رئيسية هي إيران والبرازيل ومصر. وكان الإنتاج المحلي يؤمن نصف حاجة سورية من السكر سنوياً. لكن مع حلول عام ٢٠١٩ لم يتجاوز إنتاج السكر في القطاعين العام والخاص حاجز ١٣٠ ألف طن سنوياً، فيما تبلغ حاجة السوق المحلية بحسب تقرير لموقع (اقتصاد مال وأعمال السوريين) ٤٠٠ ألف طن.

بدأت كارثة انهيار صناعة السكر في عام ٢٠١٢ مع إغلاق أكبر معامل إنتاج السكر وهو معمل تل سلحب بقدرة إنتاج حوالي ٢٥٠٠ طن يومياً، نتيجة المعارك الدائرة في شمال ووسط البلاد. وأعيد افتتاحه بعد تحسّن الأوضاع الأمنية قبل عامين تقريباً، وأُعلن على لسان رئيس الشركة عن قبول تسلم محصول الشوندر من الفلاحين، ولكن ليس لإنتاج السكر، وإنما لإنتاج العلف! ونقلت صحيفة (الفداء) المحلية عن السيد إبراهيم نصرة (مدير الشركة) أن محصول الشوندر سيتم استلامه وطحنه ثم توزيعه مجاناً على الفلاحين كعلف للحيوانات. وعن تبرير ذلك وضّحت إدارة الشركة أن إنتاج الشوندر المحلي لم يكن كافياً إذ يحتاج المعمل إلى ٢٠٠ ألف طن على الأقل لتشغيله، فيما لم تتجاوز الكميات الواردة ١٠% من هذا الرقم. ويقول الفلاحون إن سبب عزوفهم عن زراعة هذا المحصول هو السعر المتواضع الذي تقدمه لهم الحكومة ثمناً للطن الواحد والذي يكاد لا يغطي تكلفة الإنتاج. وتحت عنوان (علف بطعم السكر) قال موقع آر تي الروسي إن (ثالث المحاصيل المصنفة استراتيجية في سورية بات يذهب علفاً للحيوانات)، في تضمين ساخر لما آلت إليه هذه الصناعة.

في العام الماضي أعلن رئيس الوزراء عن مهلة ثلاثة أشهر لاتخاذ قرار من عدمه بخصوص العودة لزراعة الشوندر. وكلّف رئيس مجلس الوزراء المهندس حسين عرنوس وقتذاك وزارتي (الزراعة والإصلاح الزراعي) و(الصناعة)، بإجراء دراسة جدوى اقتصادية لإعادة زراعة الشوندر السكري بدءاً من عام ٢٠٢١، بعد أن بينت تقارير غير رسمية أن فاتورة الاستهلاك المحلي من السكر المستورد بلغت عام ٢٠١٨ ما يقارب ٢٤٠ مليار ليرة بالسعر الرسمي للدولار. وأنه في حال عودة المساحات المزروعة إلى سابق عهدها فإنه يمكن التوفير على الخزينة السورية من العملة الصعبة ما يعادل نصف قيمة المستوردات، إضافة إلى حوالي ١٢٠ مليار ليرة سورية كأرباح من منتجات مُرافقة، الخميرة والصابون والكحول والزيت المكرر. دون إهمال المساهمة في حل جزء من مشكلة البطالة.

بعد انقضاء المدة المقررة، أعلن وزير الصناعة السيد زياد صباغ في تصريح مقتضب أمام الإعلام الرسمي قال فيه إن استيراد بذار الشوندر السكري (متعذر). فهل من تصريح مُفرح للمستوردين أكثر من هذا التصريح!؟

 تهاون الحكومة مع مسألة الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي هي محور المشكلة الاقتصادية السورية حالياً. ثمة نهج واضح في تكريس ظاهرة الاستيراد، يمتد إلى المحاصيل الاستراتيجية وبعض المنتجات الزراعية التي كانت تحقق فيها البلاد نوعاً من الاكتفاء الذاتي. مثلاً في الدورة الاقتصادية لإنتاج وتسويق السكر يمكن توفير ٨٠ الى ١٠٠ مليون دولار إذا تمت إدارتها محلياً بحسب مختصين. حتى عن مسألة البدائل، وجدنا الصمت عند القائمين على تطوير الإنتاج في وزارتي الزراعة والاقتصاد. هذا الصمت ليس بغريب أمام الواقع الموضوعي لترهل مؤسسات الدولة وهيمنة مراكز قوى السيطرة، المتحررة كلياً من العدالة والمساءلة. هناك أمل ضعيف بل معدوم في المدى المنظور في إعادة إحياء هذه الصناعة، وسيبقى كما نرى الآن، أن الكلمة العليا في هذا الشأن هي للمستوردين.

العدد 969 - 28/07/2021