أمريكا والمشكلة القادمة؟

د. صياح عزام:

أكد أكثر من متابع للأوضاع في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل ما تصرّف به الرئيس الأمريكي ترامب تجاه الانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل بدئها وأثنائها وبعد خسارته أمام منافسه جو بايدن، أكدوا أن رفوف المكتبات الأمريكية ازدحمت بمؤلفات تتناول الحالة النفسية لسكان البيت الأبيض، والتركيز على تحليل نفسية ترامب دون الخوض في سياساته المتناقضة والمرتجلة التي أساءت إلى بلاده وإلى العالم أجمع.

وشمل هذا الاهتمام السيكولوجي الواسع ما حدث من انتقال خصائص شخصية ترامب إلى أوساط الرأي العام الأمريكي، سواء من حيث أن أكثر من نصف الأمريكيين قد رفضوا التصويت له، أو من ناحية ما فعله من تحفيز نقل طباعة وسلوكياته إلى أنصاره ومؤيديه.

هذا ما تحدثت عنه مجلة (علم النفس السياسي) نقلاً عن باحثين وعلماء نفس وجدوا أن مساعي ترامب للمواجهة شكلت تمييزاً لشخصية جذب إليه أنصاره، الأمر الذي أدى إلى صدامات بين الأمريكيين وعلى مستوى البلاد تقريباً.

وعلى سبيل المثال، خاضت عدة مؤلفات في هذا الموضوع، منها مجلة (سيكولوجي توداي) وكتاب (طائفة ترامب) و(حالة ترامب النفسية الحقيقية) ومجلة (هارفر جازيت) ودراسة للعالم (إيريك دولان) في شهر آذار عام 2020 بمطبوعة التحليل النفسي، وما كتبه أستاذ علم النفس (دان ماكاوفز) بمجلة (أتلانتيك) وما نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) على رصد أكثر من عشرين طبيباً نفسياً للحالة العقلية لترامب وخطورتها على الأمة الأمريكية.

لقد تنوعت الرؤى التي تناولت هذه الظاهرة، إلا أنها كانت متفقة على أن ترامب حالة نفسية أكثر منها واقعية، فإذا ما قورن بالرئيس الأمريكي الأسبق ريغان يتضح أن ريغان كان ممثلاً، لكنه خلع رداء التمثيل بعد دخوله إلى البيت الأبيض، أما ترامب فهو منهمك في التمثيل الدرامي إلى ما لا نهاية، ويتصرف في الوقت نفسه في الشؤون العامة على هواه، كما أن تحركاته تجسد أحياناً شخصية (سوبر مان) فهو مفرط في سلوكياته بشكل يندر أن ينطبق على رئيس آخر، علماً بأنه لا يتمتع بخبرة سياسية، وقال عنه كثيرون بأنه مولع باختلاق معارك مختلفة، ما أدخل الفوضى إلى البيت البيض والدوائر الأمريكية الأساسية الأخرى أيضاً، يقول ستانلي رينشون في كتابه (الحالة النفسية لترامب) إنه انتهك جميع قواعد الحملة الانتخابية الرئاسية من أجل الفوز بالرئاسة، واتفق كثيرون على أن فوزه سيشكل خسارة لأمريكا وشعوبها.. والجدير بالذكر أن جميع المؤلفات التي أشرنا إليها فيما تقدم تعود لمتخصصين في علم النفس بما في ذلك علم النفس السياسي، سعوا إلى رسم صورة سيكولوجية لترامب، من هو؟ وكيف يعمل عقله؟ وكيف يتخذ قراراته وهو في البيت الأيض ضمن منصبه ومسؤولياته وليس مضطجعاً في برج ترامب الفاخر؟!

وفي التفاصيل أن البعض جاء على ذكر تمسك ترامب بكرسي الرئاسة مثلما يفعل بعض حكام دول العالم الثالث المختلفة والتي كانت ومازال محل انتقاد وسخرية من حكام الولايات المتحدة الأمريكية.

وذكرت مطبوعة علم النفس السياسي أن ترامب بسلوكه هذا يغمره شعور طاغٍ يضخم ذاته، أولاً في عينه، وثانياً في عيون الآخرين، وهو لا يكف عن ذلك في كل أقواله وممارساته وحتى في حركاته البهلوانية.

أما المحلل المختص بشؤون الانتخابات ديريل جونسون فقد قال: إن إلحاح ترامب على عقول الناس من أنصاره بآرائه، قد شحن عقولهم ونفسياتهم بمشاعر جنون الاضطهاد والارتياب والمخاوف والأوهام في تداعيات نفسية صادرة أصلاً عن منشأها الأصلي في نفسه وذاته وتركيب شخصيته. باختصار: خَلَصَ هؤلاء الأطباء والعلماء النفسيون المتخصصون إلى نتيجة تقول: إن سمات ترامب هذه قد انتقلت إلى قاعدة عريضة من مؤيديه وأنصاره، وتلك هي المشكلة القادمة في الولايات المتحدة الأمريكية.

العدد 943 - 13/1/2021