مسامير جديدة في نعش التعليم المجاني!

يزن المصري:

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء بلد مزقتها الحرب لعقد من الزمن دون التعويل أولاً وأخيراً على شباب وطني متعلم، فالعلم هو العماد الأساسي لبناء أي دولة ونموها وازدهارها، ودون الحديث عن تعليم حديث ومجاني (مع التركيز على كلمة مجاني) لن يكون بالإمكان إعداد هذا الجيل من الشباب.

لكن من حق شباب بلدنا الحبيب إكمال تعليمهم، إن كانت جامعاتهم تتجه يوماً بعد يوم نحو الخصخصة وتُحتكر مقاعدها من قبل قلة من الأغنياء، فقد أشارت أكثر الإحصائيات تفاؤلاً أن نسبة الفقر المدقع في سورية بلغت 70 %!

فكما هو واضح، سيصبح شعار «مجانية التعليم» بعد مدة ليست بالبعيدة شيئاً من الماضي وذكرى جميلة تداعب مخيلة الشباب الفقراء فتسقط دمعهم.. فهل هكذا يجزى من صمد وقاتل وقُتل في سبيل الوطن؟!

فأي متابع لقرارات وزارة التعليم العالي يراها تصب لصالح التعليم الخاص المأجور وتدق مساميراً متتالية في نعش التعليم المجاني، فأي طالب استنفذ فرص التعليم العام اليوم يتحول لطالب موازي ويُجبَر على دفع مبالغ باهظة وإلا فلن يستطيع إكمال تعليمه، عدا قرار رفع مقاعد التعليم الموازي الذي صدر في آب 2019 فأصبح 40% فوق الطاقة الاستيعابية بعد أن كان 30%.. وبالتالي تتضاءل باستمرار فرص الطالب الفقير في مقعد مجاني في جامعة حكومية!

وطبعاً لن يكون بإمكانه التسجيل في أحد الجامعات الخاصة التي انتشرت في كافة أرجاء الوطن بعد المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2001 الذي سمح بإنشائها حتى تجاوز عددها عدد الجامعات الحكومية، فهي ذات رسوم تسجيل تفوق خيال فقراءنا حيث أن رسم التسجيل السنوي في أرخص فروعها يعادل أجر سنتين لموظف بسيط براتب متوسط!

بوصلة التعليم العالي تنحرف بسرعة كبيرة وشيئاً فشيئاً نرى التعليم في جميع مراحله يتحول لسلعة يشتريها من هو قادر على دفع ثمنها.. فإن كنت ممن ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب فبإمكانك التسجيل في مدرسة أو جامعة خاصة مقاعدها مريحة وصفوفها شبه خاوية والتعليم فيها مريح وإلا فبإمكانك التسجيل في مدرسة أو جامعة حكومية صفوفها مكتظة والطلاب محشورون في مقاعدها والمدرس فيها يعطي مادته بلا روح.. فالأجر الذي يتقاضاه لا يكفيه حتى اليوم الخامس من الشهر وبالتالي بتنا نرى نخب المدرسين تهرب من التعليم العام وتركض لاهثةً نحو الخاص وعيونهم تلمع عندما يسمعون بالأجر المرتفع الذي سيتقاضونه وهذا ما يعمق جرح التعليم العام المجاني أكثر فأكثر ويفقده كوادره.

إن الحفاظ على مجانية التعليم هو حق من حقوق شعبنا الذي ضحى وعانى الأمرين وتحمل شظف وقسوة ما مر به من نكسات وأزمات متتالية خلال سنوات الحرب العجاف، وأي توجه نحو إلغاء تعليم الفقراء وتهميشه سيوسع الهوة الاجتماعية والاقتصادية بين شرائح المجتمع، وبالتالي يمهد لأزمات جديدة.

فيا أصحاب القرار تصرفوا بحكمة!

العدد 944 - 20/1/2021