بايدن والبيت الأبيض

د. أحمد ديركي:

تضجّ وسائل الإعلام والأروقة السياسية في كل دول العالم بالانتخابات الأمريكية، التي لم يُحسم أمر الفائز فيها حتى اللحظة. فالنتائج الأولية للانتخابات تشير إلى فوز بايدن، وأن ترامب قد خسر الفوز بولاية حكم ثانية ولكنه يقاتل للفوز بها مجدداً. وما زال ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية حتى لحظة حسم الموضوع عندما يتسلم الفائز الرئاسة، أي لن يحسم موضوع الرئاسة حتى كانون الثاني من العام القادم.

تميّزت فترة رئاسة ترامب للولايات المتحدة بـ(الفوضى)، وما يصطلح عليه في السياسة بفترة (التخبط السياسي). بينما في الواقع لم تكن كما توصف، أو وصفت بشكل خاطئ عن قصد، أو غير قصد. باختصار يمكن القول إن ترامب منذ لحظة توليه الرئاسة، ولغاية اللحظة، شغل العالم برمّته، مُظهراً الوجه الحقيقي لطبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي، وهذا ما أعاد إلى الواجهة، إلى حدّ ما، الحياةَ السياسية التي كان يخفيها نمط الإنتاج الرأسمالي. من هنا يمكن لحظ انشغال العالم برمته بمسألة الانتخابات الأمريكية الراهنة بدرجة لم نشهدها من قبل. إضافة إلى إقبال بنسب مرتفعة جداً على التصويت لانتخاب الرئيس الأمريكي القادم، نسبه لم تشهدها الولايات المتحدة منذ ما يقرب قرناً من الزمن، وانخراط (العلم) بهذا الصراع السياسي إلى حد أن واحدة من أرقى المجلات العلمية، مجلة scientific American، للمرة الأولى منذ تاريخ تأسيسها، أي منذ 175 سنة، تتدخل مباشرة في الانتخابات، لتقول إنها تدعم جو بايدن (رئيساً للولايات المتحدة) ضد ترامب.

كيف سوف يتعاطى بايدن مع الأمور؟

من المتوقع أن يقوم بايدن، خلال أول 100 يوم له في البيت الأبيض بالأمور الآتية:

شكل بادين مجموعة تسمى (فرقة المراجعة) مهمتها جمع المعلومات لإدارة ترامب ومراجعتها، وهنا يمكن تقسيم الأمور إلى شقين رئيسيين، الأول يتعلق بالشؤون الداخلية للولايات المتحدة، والثاني يتعلق بالشؤون الخارجية.

داخلياً: وعد بالعمل خلال أول 100 يوم من تسلم منصبه، على التعامل مع وباء كورونا بشكل مختلف عن ترامب، استخدام الأوامر التنفيذية لإلغاء القرارات التي أصدرها ترامب خصوصاً الأمور المتعلقة بالبيئة والمناخ، وإنقاذ برنامج أوباماكير الصحي، والعمل مع الكونغرس لإصدار قانون بشأن جرائم الكراهية، والعمل على عكس التخفيضات الضريبية للأفراد والشركات التي أقرها ترامب عام 2017، وإنشاء هيئة إشراف جديدة للشرطة، مهمتها التصدي للعنصرية المؤسسية، ووضع قانون لإنهاء ثغرات حيازة السلاح وحمله، والعمل على مشروع يهدف إلى خلق مسار للحصول على الجنسية الأمريكية للمهاجرين غير الشرعيين، ويقدر عددهم بـ 11 مليون مهاجر غير شرعي، والعمل على (خارطة طريق لإنهاء التشرد).

خارجياً: إعطاء الأولوية للعلاقات الدولية من خلال سلسلة من الدعوات لقادة العالم وطمأنة الحلفاء بشأن دور الولايات المتحدة على المسرح العالمي، واستعادة الريادة على المسرح العالمي، والانضمام إلى منظمة الصحة العالمية، والتواصل مع الحلفاء في الناتو.

كانت هذه نظرة عامة حول ما هو متوقع من بايدن خلال أول 100 يوم عمل له في البيت الأبيض، ولكن الأمور أكثر تعقيداً من هذا. والأمر الأهم ما يتعلق بالشؤون الخارجية.

بالنسبة للصين: يمكن اعتبار المعركة ما بين الصين والولايات المتحدة واحدة من أكثر المعارك تعقيداً، ويعود الأمر في هذا إلى الاختلاف الإيديولوجي ما بين الطرفين، والناجم عن تمايز في نمطي الإنتاج ما بين البلدين. فالأمريكي نمط إنتاج رأسمالي، والصيني نمط إنتاج محكوم بتوجه اشتراكي، وهنا لن ندخل في إشكالية هل يمكن الانتقال من الإقطاعية إلى الشيوعية من دون المرور بالرأسمالية؟  فالصين تصف نظامها على أنه (اشتراكي بخصائص صينية) وتطلق عليه مسمى (صيننة الاشتراكية). اعتماداً على هذا يمكن القول إنها واحدة من (أشرس) المعارك بين البلدين، مع لحظ أن الصين أصبحت تحتل المرتبة الأولى في الاقتصاد العالمي وتراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة الثانية.

عمل بايدن على إصلاح العلاقات مع الحلفاء ليس بالعمل البريء، بل يهدف إلى استعادة مركز الولايات المتحدة في العلاقات الدولية واسترجاع (ريادتها على المسرح العالمي).

ما ينجم عن هذا، إن تم، العمل على تطويق الصين وإضعاف دورها على المسرح العالمي، وبخاصة أن الصين قد استفادت من ثغرات ترامب السياسية التي أدت إلى إظهار طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي على حقيقته.

الهند: تعزيز العلاقات ما بين الهند والولايات المتحدة، وهي علاقات طيبة منذ زمن، سيزيد من الضغط على الصين، بخاصة أن بايدن اختار كامالا هاريس، صاحبة الجذور الهندية، لتكون المرأة الاكثر نفوذاً في البيت الأبيض. وما لهذا من انعكاسات إيجابية في وسط المجتمع الهندي.

الكوريّتان: رغم اللقاء (التاريخي) بين ترامب وكيم جونغ أون، رئيس كوريا الشمالية، لم يسفر اللقاء عن أي نتائج في طبيعة العلاقات السياسية بين البلدين، وكان بايدن قد طالب كوريا الشمالية بإظهار استعدادها للتخلي عن برنامج أسلحتها النووية. ما يشير إلى بروز احتمال مزيد من التوتر في العلاقات ما بين البلدين، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار مفهوم (استعادة الريادة على المسرح الدولي)، وبخاصة بعد أن حذرت كوريا الجنوبية كوريا الشمالية من السير في طريق استفزازي.

روسيا: يصف بايدن روسيا على أنها (التهديد الأكبر) للولايات المتحدة، وقال في عام 2011 أنه لو كان فلاديمير بوتين لما ترشح مجدداً لأن هذا سيّئ له وللبلاد. ما يوحي بالمزيد من احتمالات التوتر بين البلدين واحتمال مزيد من العقوبات والضغوط على روسيا. وقد ورد، مؤخراً، في إحدىالصحف الروسية أنه خلال عهد ترامب تدهورت العلاقات الأمريكية الروسية إلى قاع البحر وشبهت بايدن بـ(الحفار) الذي سيقوم بالحفر بشكل أعمق.

ألمانيا: وفقاً لمعهد (بيمو) للأبحاث فقط 10% من الشعب الألماني يثق بسياسة ترامب، وعلاقته مع أنغيلا ميركل سيئة. فهل سوف يبدل بايدن هذا الانطباع؟ يبدو نعم. من خلال (طمأنة الحلفاء)، وبخاصة لما تمثله ألمانيا فهي أكبر شركاء أمريكا في التجارة.

إيران: من المتوقع بعض (التغير) في السياسات الأمريكية بعد دخول بايدن البيت الأبيض. قد يعتمد بايدن أساليب مختلفة بالشكل الدبلوماسي مع إيران، ومنها مثلاً تصريحاته بالعودة إلى الاتفاق النووي، وتخفيف الضغوط عنها. وهناك بعض التصريحات من مسؤولين إيرانيين مهدت الطريق له في حال أصبح رئيساً واتبع أسلوباً مختلفاً للتعامل معها.

الكيان الصهيوني: ممكن أن تشهد مرحلة بايدن بعض التوترات الشكلية ما بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، ويعتمد هذا على موقفه وطريقة مقاربة إدارة بايدن للملف الإيراني. وهذا ما دفع بأحد وزراء الكيان إلى القول: في حال (هادنت) الولايات المتحدة إيران الأمر سينتهي بـ(مواجهة اسرائيلية إيرانية عنيفة لأننا سوف نجبر على التحرك).

العالم العربي: ليس هناك الكثير ليقال حول العالم العربي في ظل ما هو قائم وتبعية أنظمته السياسية، بكونها متأثرة أكثر منها مؤثرة في السياسات العالمية. لكن من الواضح أن هناك حلقات جديدة من مسلسل (التطبيع) مع الكيان الصهيوني ليضمّ دولاً عربية جديدة. ومن جهة أخرى قد تواجه دول غيرها مزيداً من (العقوبات) والضغوط وهذا يعتمد على طبيعة التحالف القائم بين الدول العربية ودول القرار.

بعد هذه الجولة المختصرة حول ما يمكن لبايدن أن يقوم به خلال فترة ولايته، يتضح أن الضجيج المرافق للانتخابات الأمريكية ما هو إلا ضجيج فارغ المضمون. فسياسات الدول الكبرى، دول مركز نمط الإنتاج الرأسمالي، لا يحددها الرئيس بل يحددها نمط الإنتاج برمته، والرئيس مجرد واجهة لتطبيق هذه السياسات وكل الاختلافات تكمن في تكتيك تحقيق الاستراتيجية المرسومة، إذ لكل رئيس تكتيكه الذي يمكن أن يكون مختلفاً عمن سبقه.

يبدو الآن أن المعركة سوف تكون محصورة بشكل رئيسي ما بين القطب الأمريكي، وحلفائه، والقطب الحديث النشأة، الصين. فالخلاف هنا عقائدي، تبعاً لاختلاف نمط الإنتاج بين البلدين. أما (خلاف) بقية دول العالم مع الأمريكي فليس بعقائدي لأنهم جميعاً يدورون في فلك نمط الإنتاج الرأسمالي! ومن هنا فالمسألة لا علاقة لها باسم الرئيس، بل بالأهداف الاستراتيجية المرسومة. فالرئيس، بغض النظر عمن هو، لا يمثل سوى التكتيك المتبع للهدف الاستراتيجي.    

العدد 944 - 20/1/2021