الإرهاب الأبيض ينهش الجسد الأمريكي!

د. صياح عزام:

على غرار أفلام المغامرات والإثارة الأمريكية، خطط رجال غلاظ مدججون بالسلاح من عناصر الميليشيات البيضاء المتطرفة، لعملية تحمل الطابع الهوليودي الساخن المشحون بالعنف والتهور الجنوني والتشويق المثير، وذلك لتنفيذها في ولاية ميتشيغان الأمريكية، إلا أن عمليتهم لم تنجح، لأن الشرطة رصدت هذه المؤامرة منذ أشه وأجهضتها باعتقال رجالها الأشرار.

– المشهد الأول الذي صممته الميليشيات (وهي جماعات يمينية متطرفة ومسلحة تنخر في الجسد الأمريكي) يتضمن بداية ساخنة بالهجوم على مراكز ودوريات الشرطة وقتل العشرات منهم، لشل حركتها وتشتيتها قبل تنفيذ العملية الأساسية، وهي الهجوم على منزل تستخدمه حاكمة الولاية الديمقراطية لقضاء عطلاتها. وحسب الخطة كان سيتم اختطاف الحاكمة والانطلاق بها في قارب عبر النهر، بعد أن تكون مجموعة أخرى من هذه الميليشيات قد قامت بنسف الجسر القريب لمنع الشرطة من العبور إلى الضفة الأخرى.

– المشهد الثاني في هذه الدراما السوداء تضمّن نقل الرهينة ومن تيسّر اختطافه معها إلى مكان مجهول، لمحاكمتها بتهمة الخيانة والإضرار بالشعب بسبب قرارات الإغلاق التي اتخذتها خلال جائحة كورونا.

– أما المشهد الأخير، فهو مهاجمة مقر الحكومة وإعلان إطاحتها والانقلاب عليها.

لو نُفِّذت هذه العملة بنجاح لكادت في البداية ألّا يصّدقها أحد، من منطلق أن مثل هذه العمليات لا يمكن أن تجري في الولايات المتحدة الأمريكية، بل يمكن أن تجري في بلد من بلدان العالم الثالث المنكوبة بالفوضى السياسية والأزمات المتعددة، أو في إحدى جمهوريات الموز في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

جدير بالذكر أنه منذ تسعينيات القرن الماضي تتزايد أعداد هذه الجماعات المسلحة وتتزايد معها عملياتها، وقد بلغت ذروة تمدّدها في عام 1995 بتفجير مبنى في أوكلاهوما أسفر عن مصرع 168 شخصاً وإصابة 68، وكان هذا بمثابة إعلان مبكر عن أن الإرهاب الأبيض الداخلي في طريقه ليصبح التهديد الأمني الأكبر في أمريكا، إلا أن وقوع هجمات 11 أيلول عام 2001، وظهور القاعدة ثم تنظيم داعش الإرهابي استقطب الاهتمام الإعلامي والأمني والسياسي بعيداً عن الخطر الداخلي.

اليوم، وبعد تراجع التهديد القادم من الخارج، عاد الإرهاب الأبيض ليطل بوجهه القبيح كأكبر تهديد أمني.

ويشير تقرير لمجلة (تايم) إلى أن هجمات الجماعات اليمينية تزيد ثلاث مرات عن هجمات الجهاديين في الولايات المتحدة، وتوضح دراسة لرابطة مناهضة التشهير أن الميليشيات اليمينية مسؤولة عن 73٪ من عمليات القتل لدوافع عنصرية أو سياسية من 2009 إلى 2018. وفي العام الماضي وحده لقي 39 شخصاً مصرعهم في هجمات لهذه الميليشيات منهم 22 في مذبحة واحدة بولاية تكساس في شهر آب الماضي.

ويسود اعتقاد خاطئ بأن الجماعات اليمينية المتطرفة تستهدف السود فقط، والصحيح أن عنفها موجه إلى أهداف أخرى أيضاً، في مقدمتها الحكومة الفيدرالية التي يعتبرونها سلطة قمعية تتدخل في حياة الشعب بلا ضرورة، عبر إجراءات مرفوضة مثل الضرائب، وتقييد الأنشطة المضرة بالبيئة، وتقييد حمل السلاح أو ما حدث مؤخراً من إغلاق بسبب كورونا، ويضع مكتب التحقيقات الفيدرالي أربعة تصنيفات لأنشطة هذه الجماعة:

– الأول، يضم تلك التي تستهدف السود والأجانب وأحياناً غير المسيحيين، لدوافع عنصرية أو عرقية.

– والثاني، جماعات تسعى للفوضى كهدف في حد ذاته مع مهاجمة الحكومة.

– والثالث جماعات تستهدف المؤيدين للإجهاض.

– والرابع جماعات تقاوم إجراءات الحفاظ على البيئة.

ولا يعرف على وجه الدقة عدد الميليشيات التي أصبحت تنضوي تحت لواء منظمة كبيرة تسمى الحركة الوطنية (باتريوت موفمنت).

خلال التسعينيات، أشارت التقديرات إلى وجود 900 جماعة تضم 25 ألف عضو، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى وجود 250 ألفاً.

على أي حال، مهما بلغ هذا العدد، فقد أصبحت هذه الجماعات وفقاً لما قاله خبير الأمن في جامعة بيتسبرج، سرطاناً ينهش الجسد الأمريكي ويسهم في تآكل أمريكا من الداخل.

العدد 944 - 20/1/2021