كرّ وأنت حرّ!

د. أحمد ديركي:

ولد عبداً، وهذا ما يتنافى مع قانون الطبيعة فالإنسان يولد حراً. والحرية هنا ليست بالشيء المجرد أو مجرد مقولة تقال أو أغنية يتغنى بها وتنتهي الحرية بانتهاء المقولة أو الأغنية. فالحرية نضال مستمر حتى تحقيق مفهومها الصحيح في بناء شعب سعيد ووطن حر.

وهنا يتلازم مفهوم الحرية بالتغيير، وإن تحقق هدف ولم يتحقق الآخر سقط المفهوم، وفرغ من مضمونه وتحول إلى مقولة مجردة عن أرض الواقع لا تمت له بصلة، ويصبح مجرد مقولة تنتهي بقولها، أو أغنية تنتهي بانتهائها.

لم يولد عنترة بن شداد (عبداً)، بل الواقع والظروف والعادات والتقاليد، التي كانت قائمة آنذاك، فرضت عليه أن يكون (عبداً). لم يرضخ عنترة لكل هذه المقولات، ولم يكن في الوقت عينه (مغامراً ثورياً)، لينتحر بمغامرة واثق من الفوز بالمعركة وخسارة الهدف منها.

بل وعى عنترة واقعه من دون أيّ وهم أو توهم، فاكتسب معرفة قراءة الواقع كما هو والتعامل معه لتغييره من أجل تحقيق الفوز بالمعركة وتحقيق الهدف منها. بفروسيته وشجاعته، وشعره، أصبح شاعر القبيلة، حافظ على رباطة جأشه وعندما أصبحت المعرفة سلاحاً في يده، أقدم على المعركة واثقاً من تحقيق هدفه التحرري من العبودية وتغيير الواقع الذي يعيشه. فماذا فعل؟

(أغار بعض الأحياء من طي على بني عبس، وكانت منازل عبس يومئذ بأرض الشربة والعلم السعدي، وهو مكان بأطراف نجد على حدود الحجاز بين مكة ويثرب، فأصابوا منهم وقتلوا أنفاراً من الحي وسبوا نساء كثيرات، وكان عنترة معتزلاً عنهم، فتقاعد عن المدافعة، حتى مر به أبوه فقال له: ويك، يا عنترة، كرّ! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر ولكن يحسن الحلب والصرّ. فقال أبوه: كرّ وأنت حرّ!). (من كتاب حسين مروة: عناوين جديدة لوجوه قديمة).

النتيجة:

(وما زال به أبوه حتى ثار في أوجه القوم، وهبّت في أثره رجال عبس، فهزم السرية المغيرة، ورد الغنائم والسبايا التي اكتسبها القوم. فادّعاه أبوه (أي اعترف به)). (من كتاب حسين مروة: عناوين جديدة لوجوه قديمة).

أي عندما نضجت الظروف التي أجاد قراءتها عنترة أظهر شجاعته ودخل المعركة وحقق هدفه. هدف يضم أكثر من هدف فرعي، وكان يعلم أن تحقيق الهدف الفرعي في المعركة لا يحقق الهدف الكلي لها. ومن هذه الأهداف الفرعية: هزيمة (المغير) أي العدو، ولكن الهزيمة وحدها لا تكفي لتحقيق الحرية والتغيير، فكان لا بد من استرجاع ما كسبه العدو ما يؤكد أن العدو لن يعاود فعلته. كان هذا على مستوى العدو المغير، أما على مستوى (قبيلته) فقد أثبت أنه يستحق (الاعتراف به) فكان الاعتراف به تغييراً وكسراً لما هو قائم على المستوى الداخلي (للقبيلة). فحقق هدف معركته: التحرير والتغيير.

العدد 944 - 20/1/2021