ترامب يتشبّث بالسلطة متحدّياً الدستور الأمريكي!

د. صياح عزام:

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية توتراً هذه الأيام لم تشهده من قبل، فالأزمة السياسية التي تعيشها الآن غير مسبوقة، من حيث أنها تشكل تهديداً حقيقياً لمبادئ الديمقراطية التي تغنّت بها على مدى عقود وقرون، بل إنها تهدّد بنية المجتمع الأمريكي في الصميم.

لقد مرّت الولايات المتحدة بأزمات سياسية، منها على سبيل المثال أزمة ووترغيت، التي حدثت في السبعينيات، مشكّلة تحدّياً حقيقياً للدستور الأمريكي آنذاك، إلا أن الرئيس نيكسون أدرك في نهاية المطاف، أن هناك حدوداً لا ينبغي تجاوزها حتى من جانب الرئيس نفسه.

في المقابل، فإن الرئيس الأمريكي ترامب يبدو أنه لا يعترف بهذه الحدود، ويرى أن كل شيء متاح له، ذلك أن تصريحاته تشير بوضوح إلى أنه على استعداد لتحدي الدستور الأمريكي وتعطيله في حال فشله في انتخابات شهر تشرين الثاني القادم.

لقد ذكر أكثر من مرة أنه لن يسلّم السلطة إلا بقرار من المحكمة الدستورية، الأمر الذي يؤكد أنه مستعدّ لفعل أي شيء من أجل الاحتفاظ بسلطته السياسية وكرسيّه في البيت الأبيض، وهو يستند، حسب زعمه، إلى المادة الثانية من الدستور التي تعطيه الحق في أن يفعل كل ما يريد القيام به، كما أنه يتطلع لدعم المدعي العام وليم بار الذي استطاع إنقاذه في قضية (مولر).

لقد شكك ترامب في أكثر من مناسبة في مصداقية بطاقات الاقتراع بواسطة البريد حتى قبل إجراء الانتخابات نفسها، ربما لأنه يدرك أن معظم الأمريكيين سيصوتون بواسطة هذه البطاقات نظراً لانتشار وباء كورونا، وأن معظمهم سيكونون من الديمقراطيين، لذلك فهو يحاول بشتى الطرق والوسائل إفشال هذه العملية، فتارة يقوم بتأخير وصول البطاقات إلى الناخبين، وتارة أخرى يحاول إزالة صناديق البريد من الشوارع والساحات العامة تحت ذريعة إصلاح منظومة البريد.. كل ذلك ليصبح من المستحيل على الناخبين استخدام البريد في عملية الاقتراع!

وما يزيد الأمر سوءاً هو تلك الدعوة التي وجهها ترامب في أول مناظرة رئاسية له مع منافسه الديمقراطي جو بايدن، إلى جماعة العرق الأبيض المتفوق – حسب زعمه (وهي جماعة يمينية متطرفة معظم أعضائها من البيض) بضرورة الوقوف خلفه في الانتخابات القادمة، كما أنه حرص في المناظرة المذكورة على عدم إدانة المتعصبين البيض مهدداً بقوله: (لن ينتهي هذا بشكل جيد).

لا شك في أن كل هذه التصريحات والمواقف هي مزعجة ومقلقة في الوقت نفسه، حتى إن بعض أتباعه ومريديه من الجمهوريين في مجلس الشيوخ أعربوا بشكل صريح عن قلقهم الشديد من تصريحات ترامب ومواقفه الأخيرة.

لقد ظهر ترامب في الماظرة الأولى التي جرت بينه وبين جو بايدن بشكل سيئ جداً، إذ كان سلوكه بلطجياً وهمجياً، بدرجة كبيرة ولافتة للنظر.

لقد كان يمارس المقاطعات المتسلسلة والتشويهات الصارخة، بل إنه استخدم بعض الكلمات البذيئة ضد منافسه، وربما لا تكون هذه المناظرة هي الإخفاق الوحيد لترامب في سلسلة إخفاقاته الأخيرة، فقد فجرت صحيفة (نيويورك تايمز) فضيحة جديدة له تتعلق بإقرارات ترامب الضريبية التي حاول جاهداً إخفاءها، وذكرت الصحيفة في تقرير لها أن ترامب دفع فقط 750 دولاراً من ضرائب الدخل الفيدرالية عن عامي 2016 و2017 ولم يدفع أي شيء عن السنوات التي قبلهما، وهو مبلغ زهيد جداً بالمقارنة مع ما يترتب على إمبراطوريته التجارية الكبيرة. كذلك كشف التقرير الكثير من السجل الضريبي المشبوه لترامب والكثير من الصفقات التجارية التي كان يشرف عليها.

من جهة أخرى كشفت صحيفة (التايمز) في تقرير نشرته أن ترامب تلقى مساعدات مالية من السعودية وتركيا وقطر، وأنه مدين لهذه الدول بمبلغ يقارب 400 مليون دولار، مؤكدة أن ذلك يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي.

ويحاول ترامب تثبيت آيمي كوني باريت (اليمينية المتعصبة) في منصب قاضي المحكمة العليا بهدف تحسين فرصه في حال ساءت أمور فوزه في الانتخابات ووصلت إلى هذه المحكمة.

إن كل هذه التطورات تشير بوضوح إلى أن ترامب هو على يقين من هزيمته، ولذلك فهو لا يتردد في إظهار تحديه للدستور الأمريكي، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وربما إلى أشكال من العنف الداخلي.

العدد 937 - 25/11/2020