الطفل العنيف ضحية

غزل حسين المصطفى:

(عميش) لا يهابُ شيئاً، فتى المعارك و(علقة آخر الدوام)، وهو بطلٌ أسطوريٌّ في ذاكرة طلاب مدرستنا الإبتدائية، يعود إلى مقعده المدرسيّ بعد عشرة عصيٍ ناريِّة حلّت بكفيه وهو مبتسم، كُنّا نسأله دوماً: ألا تتألم؟! فيبتسم ويقول:(عيب على الزُلم تخاف!) ونحن نُصعق من قدراته.
إلاّ أنا وحتّى اليوم، بقيت صورةُ وجهه عالقةً في ذاكرتي، أكاد أستطيع عدّ النُّدب الّتي زخرفت وجهه حتّى كادت معالمه تضيع، شديد السُّمرة، نحيل، يفوق أقرانه طولاً.
إلى اليوم يرافقني مشهدٌ قد خَفي على بعضهم وهو يحكُّ كفّيه أحدها بالآخر ويحاول إخماد لهيب ألمهما بوضعها على قطع الحديد التي تؤسس المقعد المدرسيّ، ذلك الفعل كان يُثبت لي في كلِّ مرَّةٍ أن أفعاله استعراضية تُخفي خلفها حقيقةً مختلفة عنه لاسيّما حين يستشرس ويشنُّ هجومه على أحدهم، أقسم كنت أشعر للحظة أنه استحال ذئباً أو ربما غابت عني ملامحه إلاّ أسنانه وأظافره قد تعاظمت حتى صارت أنياباً ومخالباً.
بقيت حتّى اليوم أسأل: أين كان الطفل في داخله؟
أين يركن طفولته؟
ماذا يفعل حين إيابه المنزل، أيظل مستشرساً أم يُقمع؟
وبعد مرور كلّ هذه السَّنوات، هل أكمل تعليمه أم فرّ هارباً نحو حياةٍ أخرى كما كان يفعل يوماً من فوق سور المدرسة باتجاه أفعاله الشَّغبيّة؟
هل دخل السِّجن؟
إلى أن سمعت خبراً مفاده أنَّ تلميذاً لقي حتفه على يد زميله، وبصرف النظر عن التفاصيل، كان الخبر صاعقةً هزّت وجدان الجميع.
على الفور توجهت إلى الداعمة النَّفسيّة (بيان العَشّي) متسائلة حول مجموعة نقاط، فكان الجواب التّالي:
في البداية علينا أن نتفق جميعاً على كون الطَّفل يشبه الصَّفحة البيضاء تماماً، إذ هي انعكاس لما نكتب نحن، كذلك الطِّفل هو نتاج أفعالنا.
وتختلف آلية التَّعبير ما بين الطِّفل واليافع والرَّاشد، فعتبة التَّأثّر عند الطِّفل أعلى، والتَّعبير يكون عن طريق سلوكيات اللاوعي، مثل آليات دعم للتنفيس عن أشياء يتعرّض لها.
لذلك عندما نصادف طفلاً عدوانياً، أو يتصف بسلوك عدواني، نُرجع نحن سلوكياته إلى تلك للدائرة الأولى في حياته وهي العائلة، فطفلٌ يُقمع ويُضرب أو يعيش في منزل يعجُّ بالعنف والضرب والشَّتائم مع انعدام أسلوب التَّواصل الفعّال، لا يمكنه إلاّ أن يُعاود ممارسة ما انطبع في ذهنه ووجدانه، كذلك الطِّفل المُدلّل الذي اعتاد الحصول على ما يرغب بالضرب أو الصُّراخ والتَّكسير، سيرافقه هذا السُّلوك في حياته فيكون العنف وسيلة لتحقيق المُتطلبات.
وهنا لا بدّ أن نُشير إلى أن هذا العنف قد لا يُطبّقه الطِّفل على أقرانه فقط، بل قد يعتدي على الحيوانات والممتلكات العامّة والخاصّة.
كذلك يجب أن ننبّه إلى أن وجود حاجات نفسيِّة فطريّة غير مُشبعة مثل (الحب، الأمان، التقبّل…الخ) قد تخلق عندنا طفلاً يُعبّر عمّا ينقصه، إمّا بطريقة هجوميّة أو يتحوّل للكبت والانطواء، وهذا النقص يمكن أن نكتشفه من خلال دراسة البيئة الأسريّة، ولا يمكننا أن نقول إن ذلك الطفل لا يُبالي بما يتعرّض له، إنما هو قد اعتاد أن يُمارِس أو يُمارَس عليه العنف.
والنقطة المهمّة في حديثنا أنَّ المدرسة هي حجرٌ أساسٌ آخر فيما نتحدث، إذ هي البيئة الثَّانية للطفل، فيها يُطبّق مكتسباته الأُسريّة، كما يخلق وجود هوّة وتفاوت بين البيئتين إلى تفاعل غير سلوكي.
أما بالانتقال للحديث عن أسباب العدوان، هناك الكثير من الأسباب والّتي تتشابك وتتشابه خصوصاً في الحالات التي تحدّثنا عنها آنفاً، إذ تُصحب بمشاعر سريعة التهيّج، الملل، الانعزال، عدم المتعة، والتي تُصنّف تحت بند (اكتئاب الأطفال)، لكن عموماً نُدرج العنف تحت بندين أساسيين (الضغط، الخبرات الطفولية المبكّرة من بيئته الأسرية التي تؤسّس هذه السلوكيات وتعزّزها).
بعد أن سمعت الإجابة على أسئلتي، قلتُ في خلدي إن الأميرة والوحش حقيقةً وليست محض أسطورة، إذ إن قُبلةً وبعض الاهتمام قد أعادوه إنساناً.
ورحتُ أُفكّر كيف سنستطيع التَّوجّه إلى كلِّ أسرة أو ربما إلى كلِّ المقبلين على الزواج لنضعهم أمام هذه الحقيقة؟!
كيف يمكن أن نصل إلى كلِّ طفل قد ضاعت منه طفولته البريئة ونعوّضه نقصه؟!
كيف يمكن أن يُقنع سور المدرسة وطلابها أن (عميش) لم يكن إلاّ ضحية؟

العدد 937 - 25/11/2020