عنف الكبار عليهم ينعكس عنفاً تجاه أقرانهم

وعد حسون نصر:

نعم، أطفالنا الذين يملكون البراءة بالفطرة، على استعداد لقبول العادات والطباع السيئة، وهذا يخوّلهم لانتهاج سلوكات عدوانية وعنيفة، وتصبح ردّة فعلهم هجومية ليس لها مبرر وفيها ضرر لأنفسهم وللناس والممتلكات والبيئة والطبيعة، وقد يكون عنفهم لفظيًّا أو عملياً. وممّا يؤسف له، أننا أصبحنا نلحظ أن هذا السلوك الغريب قد استشرى بين صفوف الأطفال في مختلف سنوات أعمارهم سواء داخل البيت أو خارجه، وهي ظاهرة سلبية وغير صحيحة، لها حتماً أسبابها ودوافعها، وفي الوقت نفسه، لابدّ من إيجاد بعض الوسائل والحلول لعلاج هذه الظاهرة الخطيرة بين الأطفال، وخاصةً تعنيفهم لأقرانهم وتنمّرهم المؤذي.

الأسباب والدوافع كثيرة، أهمها الحروب والفقر والتشرّد والتهجير، كذلك أكّدت الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة أن هناك أموراً تدفع بالطفل للقيام بهذه التصرفات الغريبة وغير الطبيعية التي تجتمع تحت عنوان العنف عند الأطفال، ولعلّ من أبرز هذه الدوافع ما يلي:

  • البيت إذ يأتي في مقدمة الأسباب التي أدّت إلى بروز هذه الظاهرة في المجتمع، فالطفل الذي ينشأ في جو أسري يسوده الصراع والفوضى، وعدم الأمان، وافتقاد الحب، وعدم الاستقرار والتفاهم، ومعاملة الطفل على أساس أنه راشد معزول عن المشاعر والأحاسيس، وهو أبداً لا يعرف أي شيء، ويخضع دائماً لخطاب قاسٍ متنمّر، لأنه تحت سلطة أبوية قاهرة غير متفهمة ولا مستوعبة لحاجاته النفسية والاجتماعية، رأيه مرفوض دائماً، أفكاره لا تُسمع، اقتراحاته منبوذة سلفاً، موقفه تابع لأبويه فقط، يُمنع دائماً من التعبير عن غضبه، مُحبط ومكبوت، واحتياجاته النفسية لم تشبع حباً ورعاية وفهماً، وفي بعض الأحيان يشعر بعدم المساواة في المعاملة بين إخوته وتقسيم الاهتمام والحب بينهم، فكيف سيكون الطفل في ظلّ هذا الجو الأسري البغيض؟ وكيف سيُصبح فيما بعد؟ كل ذلك يخبئه في نفسه ووجدانه، وسيتحوّل بعد ذلك إلى كائن عدواني.
  • –        المؤسسات التربوية والتعليمية: يلتحق الطفل بالمدرسة ومعه حصيلة من المفردات الجديدة التي استقاها من البيت، ثم يدخل عالماً جديداً، يتلقى معاملة لا تستجيب لتكوينه الذهني والبيولوجي والنفسي الفتي، فالأسلوب التربوي الذي يُمارسه المُدرّس أو المُربي يتسم بالكلمات البعيدة عن الألفاظ النابية وبأسلوب بعيد عن السخرية الهزلية، وأحياناً يلجأ إلى استعمال ألفاظ قاسية وجارحة تنال من ذاتية الطفل، وقد يتعدّى الأمر إلى الضرب أحياناً، في حين لم يكن الطفل يتوقّع أن هذا الأسلوب التربوي العنيف سيصاحبه إلى  عالمه الجديد، إذ لدينا عدد لا بأس به من المُدرّسين والمُربين الذين مازالوا يعتقدون أن العنف وفرض الهيمنة والسلطة هو الكفيل الوحيد بتقويم الاعوجاج السلوكي والفكري لدى الطفل، وهنا يصبح الطفل سلبياً أكثر فأكثر.
  • كذلك يلعب الإعلام دوره الأساسي في تقويم سلوكنا جميعاً وخاصةً الطفل، إذ تُشكّل القنوات الفضائية وسيلة خطيرة للتثقيف والترفيه، ولا تحتل هذه المنزلة بالنسبة للكبار فحسب، بل إنها تحتلها في المقام الأول بالنسبة للأطفال أيضاً، فمشاهدة البرامج وخاصةً التي تحوي بمضمونها عنفاً يخلق لدى الطفل نوعاً من السلوك الغريب لإرضاء حاجاته النفسية، ويجد فيها ما يساعده على الهرب من الصراع النفسي والشعور بالفشل الذي يُحسّ به في عالم الواقع، وهنا نلاحظ أن معظم أطفالنا يقلّدون برامج التلفاز ويمارسون العنف فيما بينهم، وأحياناً يكون بطريقة الضرب المُبرح الذي يؤدّي للموت.
  • ويلعب المجتمع دوراً كبيراً في سلوك أطفالنا، إذ يعتبر المجتمع نموذجاً موّسّعاً عن البيت، فإذا كانت الأسرة تغفل عن تربية أبنائها وأطفالها، ولا تعترف بحق طفولتهم، وتقسو عليهم، وتغلظ في معاملتهم، فهل سيكون المجتمع أرحم عليهم من بيوتهم وآبائهم وأمهاتهم؟ إن المجتمع سيعمل على تكريس الوضع، وسيّرسّخ ظواهره السلبية، وربما قد يزيد الطين بلّة، فيأتي بألوان أخرى جديدة من العدوانية، لذلك نلاحظ أن شوارعنا العربية قد تسرّبت إليها أنماط سلوكية غريبة وغير مألوفة، فعشّشت فيها، وأصبحنا نرى أطفالنا يُقلّدون كل شيء بوعي أو بغير وعي، إذ أصبحت في نظرهم تمثل عنصراً أساسياً في تكوين شخصيتهم، وإثبات ذواتهم.

 فلكي نحفظ أطفالنا من سموم المجتمع، وخاصةً في المجتمع السوري، علينا أن نرتقي نحن أولاً، لنُربي أنفسنا أولاً، نتعلم الألفاظ الحسنة ونتفوّه بها مع أبنائنا، نتخلّص من عقدنا النفسية ونتجنّب التنمّر اللفظي معهم، ونبتعد عن مقارنتهم مع أقرانهم على أنهم أفضل منهم، ولنُشعِر أبنائنا أنهم أفضل ما نملك وهم أفضل ما لدينا، وإن أخفقوا لابدّ أن ينجحوا في المرات القادمة، بذلك نُبعدهم عن العنف، ونُشعرهم بالأمان لينقلوه إلى الآخرين حبّاً بعيداً عن العنف والتنمّر، وبذلك نستطيع أن نُصلح ولو جزءاً بسيطاً ممّا أفسدته الحرب في نفوس أبنائنا، فالحب يأتي من الأسرة أولاً وينقله أبناؤنا إلى العالم وإلى أقرانهم، بالحب والعطف نقتل الحقد والعنف عند فلذات أكبادنا، أحِبّوا أبناءكم يحبوكم ويعطفوا عليكم وينقلوا حبّكم إلى العالم ويقتلوا فيه بذرة الشر.  

العدد 937 - 25/11/2020