بين الإصلاح الإداري والسياسي .. نيران الأسعار تلتهم حياة المواطن.. والحكومة في غيبوبة

السويداء_ معين حمد العماطوري:

منذ تشكلت الحكومة الجديدة والمواطن ينتظر إجراءات تساهم في تحسين وضعه المعيشي والاقتصادي، بعد أن ذاق الأمرّين، كما يقال، من الحكومة السابقة وقراراتها الجائرة، ولكن يبدو أن عقل الحكومة لم يتغيّر، فقد جرى تغيير الأشخاص ولم يتغيّر نهج الحكومة وعقلها الجائر على المواطن، ويبدو أنها تقيم علاقة استغلال مع الشعب وليس علاقة تكافل وتضامن.

والدليل أن الحكومة ما زالت منذ أشهر تعقد اجتماعات لوضع منهجية للإصلاح الإداري، وتعديل هيكلية الوزارات والمؤسسات الخدمية الاقتصادية والإدارية، على أساس أن من شأن ذلك التعديل وتلك المنهجية زيادة دخل الفرد وتحسين مستوى الإنتاج ورفع جودة العمل، بما يعني رفع معدلات النمو مع توفير مستلزمات الحياة اليومية بأسعار مناسبة للدخل.

ولكن في الحقيقة، الباحث في التنمية الإدارية يجد أن عمل الوزارة المعنية لا يتضمن تحسين الكفاءة الإنتاجية، ولا تعديل وتطوير النظم الإدارية، بل هي تعمل بعقلية الشخصنة والتوليف والفبركة، بحيث يتم تعديل الهيكل الإداري وفق الأنظمة الداخلية للوزارة المعنية بما يخدم شخص الوزير المعني، وكأن السائد هو ثقافة الممنوع فقط: (ممنوع وضع مدير قوي أو نزيه في إدارة، ممنوع الاستفادة من الكفاءات والخبرات العلمية والإدارية التي أثبتت جدارتها عبر سنوات عملها، ممنوع أن يتم تعديل النظم الإدارية وفق ما تتطلبه المواكبة العالمية الإدارية لتحسين الأداء، والأهم ممنوع تقييم عمل الوزارات). وهنا المصيبة، فتقييم الأداء في ظل فساد ممنهج يصعب تحديد مسار الإصلاح فيه، والتوصيف الوظيفي واللائحة التنفيذية لكل الوظائف الشاغرة في الوزارات والمؤسسات والدوائر، هو الذي قد يساهم في الحل، بعد القضاء على الفساد وثقافته.

إذاً هناك اختلاف في المفهوم بالعبارات بين الإصلاح الإداري والإصلاح السياسي، أيّهما قبل الآخر، أو من يجب أن يكون أولاً؟

سؤال حار به الفريق الحكومي والسياسي، ويجري العمل على التسويف لكل من الجانبين، فترهلت الإدارة حتى نخرها الفساد والإفساد وبات صعباً إن لم نقل من المستحيل التخلص من هذا المرض الخبيث بسهولة.. وابتعد البعض عن طرح الإصلاح السياسي، بسبب الانشغال بالهم المعيشي اليومي.

وللأسف دافع الضريبة في ذلك التسويف هو المواطن، فصار لا يهمه إصلاح الاثنين، فهمّه الوحيد تأمين لقمة عيشه بالحد الأدنى من الكرامة، ولذلك نشاهد أو نسمع كل يوم تصريحات لبعض السادة الوزراء وبين خفقات أصواتهم نبرات اتهامٍ للمواطن، كما صرح وزير التجارة الداخلية حول رفع سعر البنزين، ورُفع سعر المحروقات دون أن يرفّ جفن الحكومة، وكان ذلك ضمن إطار التنظير واتهام المواطن أنه قادر على استيعاب رفع المحروقات، وفي الحقيقة والواقع (مكرهاً أخاك لا بطل!)، علماً أن ثلاثين بالمئة من المستحقين، إن لم يكن أكثر بكثير، لم يستطيعوا تعبئة الدفعة الثانية من المازوت لأنهم لا يملكون ثمنه كما حدث في السنوات السابقة، ولكن هذا العام ستكون نسبة هؤلاء، الذين سيبقون دون مازوت تدفئة في الشتاء، أكثر من 70% لأن أتون الأسعار جنّ وفقد الحياء، ولن يستطيع شراء المخصص من المحروقات إلا أصحاب الدخل غير المحدود. ورغم أن نيران الأسعار في السوق المحلية كل يوم في ازدياد فإن التموين لا يرى ولا يسمع! وما يزيد الطين بلة أن قائمة أسعار التموين أغلى من السوق المحلية، فمن يحاكم التموين؟ ومن يحاكم التاجر وسعره أقل من سعر التموين؟

 الحكومة وأجهزتها ينخر في كثير من مفاصلها الفساد، أو تسكت عنه، وبعض التجار يزداد جشعاً، خاصة أن أغلبية التجار باتوا من مالكي السلاح، ومن دلائل ذلك ما يحدث مؤخراً في محطات الوقود، فما إن يصل إلى المحطة صهريج محروقات حتى ترى سيارات الدوشكا والسلاح المتوسط والرصاص تملأ المكان وتغطّي أرضه وسماءه، وأمام أعين الجهات الأمنية والشرطة والحكومة، وعلى عينك يا تاجر.. ولا حياة لمن تنادي!

من جهة ثانية، وفي دلالة على ضعف أداء الحكومة، يقال: مصائب قوم عند قوم فوائد! هذا المثل الشعبي حققه بعض التجار بكل صفاقة ووقاحة، فما إن هبّت حرائق في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماه وذهب قسم من موسم الزيتون والزيت في الهواء المنثور، حتى رفع التجار أسعار الزيت والزيتون إلى أضعاف مضاعفة، فقد ارتفع سعر تنكة الزيت من 35 ألف ل. س. إلى 100 ألف ل. س. وسعر كيلو الزيتون من 500 ل. س. إلى 1500 ل. س، والسؤال: هل هناك من يريد لنا التهجير القسري أو أن نطفش على وجوهنا؟

 أم يريد أن يُثبت أن من لم يمت بالإرهاب سيموت بالإجراءات والقرارات الجائرة؟

فهل يُعقَل أن هذا الشعب الذي قاوم وضحّى وصبر، وأثبت صدق انتمائه لوطنه، يكافأ بالإذلال والموت البطيء؟

كيف يمكن أن يسرح بعض التجار ويمرحون ويتلاعبون بقوتنا اليومي، ولا تحرك أي جهة حكومية حركة حياء من دماء الشهداء وأسرهم، وليس من آلام الجرحى فحسب؟

ألم يحن الوقت أن ننتقل من شعارات الإصلاح إلى التحسين الفعلي لهذا الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردّي؟!

العدد 937 - 25/11/2020