وطنٌ يحترق

ريم الحسين:

تتوالى الكوارث على هذا البلد من كل حدب وصوب، وتكاد تنقطع الرحمة من التراب حتى السماء، وقد بتنا في مرحلة الشفقة المفرطة والعوز والفاقة المرعبة.

حرائق تلتهم شريط الساحل السوري، بساتين وأحراج بمساحات كبيرة تحولت إلى رماد، وهذا آخر ما كان ينقص الوطن المكلوم المجروح من شماله حتى جنوبه ومن شرقه حتى غربه، آلاف العائلات تحول مصدر رزقها إلى سراب، وتلك الفسحة الوحيدة بعد الخراب والدمار برؤية مساحة خضراء أصبحت كحياة المواطن السوري قاتمة سوداء، ومن الواضح والجلي أنها حرائق مفتعلة لقتل الشجر بعد البشر وإعدام آخر متنفس ومصدر رزق للناس. وفي كلّ مرة يحدث أي طارئ تُفاجأ حكوماتنا كما فوجئت سابقاً بقدوم الشتاء! فلا وسائل للإطفاء ولا جاهزية للتعامل مع هذه الحالات، ونعود كما في كل المصائب إلى العصر الحجري بحثاً عن الحلول، ونلقي اللوم على هذا وذاك، ولا ننظر إلى القشة في أعيننا وكأننا عميان لا نعرف ولا ندري موضع الخلل الحقيقي الواضح أكثر من نور الشمس.

مشاهد الحرائق وآلام السكان هناك تفطر القلوب وتدمي العقول كما كل الحرائق والويلات التي مرت على رأس هذا الشعب المسكين الذي كان يحلم بالخلاص من الإرهاب وتبعاته، وقدّم فلذات أكباده لهذا الهدف النبيل، فوجد أن الحرب ما انتهت بعد، وأن ذيولها أقوى وأكثر دموية منها بأضعاف هائلة، فالوضع الاقتصادي والاجتماعي في قمة الانهيار. البارحة كنا في الوقود والغلاء، واليوم أصبحت الحرب على رغيف الخبز والهواء.

لم تعد بلد الطوابير فقط، وإنما بقعة الهلاك والخراب والفوضى وقتل النفس في اليوم الواحد عشرات المرات، ثم تبحث عن أمل صغير، لكن حتى الطفل أصبح يستهزئ بالكلام الإنشائي عن الصبر والصمود وآفاق الحلول، والحاضر المرعب القادم هو الهاجس، فكيف بالمستقبل المُتنبّأ به سلفاً، فذاكرة الألم لا تموت إنما يموت فينا كل شيء حيّ وتبقى آثار الطعنات، نتلقى ما بعدها وكأن ما قبلها كان تجربة أداء ويتحول كل الشعب السوري إلى شهداء، فمن لم يستشهد على أرض المعركة ونزفت دماؤه استشهد من الفقر والجوع والطوابير ونزفت أمعاؤه.

المجد للشهداء، حماة الديار عليكم سلام.

العدد 937 - 25/11/2020