ما حقيقة وجود مرتزقة سوريين في نزاع أرمينيا وأذربيجان؟

صفوان داؤد:

في واحدة من أسوأ جولات القتال بين البلدين منذ أكثر من عقدين، اندلعت مؤخراً المعارك بين أرمينيا وأذربيجان في منطقة كاراباخ المتنازع عليها بين البلدين، وقد تجاوزت في مدى اتساعها شريطاً واسعاً من الحدود المشتركة، واستخدمت فيها، لأول مرة منذ سنوات، المدفعية الثقيلة والدبابات والصواريخ والطائرات المسيّرة. وكانت المعارك قد احتدمت إثر محاولة الجيش الأذربيجاني استعادة السيطرة على مناطق تقول أذربيجان أن أرمينيا احتلتها سابقاً. ورغم الدعوات الدولية المباشرة لوقف القتال، ثم عقد لقاء رفيع المستوى بين باكو ويريفان، برعاية موسكو، بشأن إعلان هدنة طويلة الأمد، إلا أن القتال لم يتوقف على طول جبهات القتال.

وفي خضمّ الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، برزت قضية وجود مقاتلين سوريين انخرطوا في حربٍ، من الواضح أنها لا تعنيهم على كل الأصعدة.

 خلال العقد الماضي تطورت ظاهرة استخدام المرتزقة في حروب الشرق الاوسط، وكانت قد بدأتها الولايات المتحدة في العراق مع مجموعة (بلاك ووتر) سيّئة السمعة، ثم تلا ذلك استخدام دول اخرى هؤلاء المقاتلين غير الشرعيين في سياساتهم التوسعية ضمن صراعات المنطقة، فوجدنا مقاتلين سودانيين مُجندين من قبل المملكة العربية السعودية في اليمن، وآخرين من أفغانستان وباكستان مجندين من قبل إيران. غير أن تركيا في عهد رئيسها الحالي رجب طيب أردوغان كانت رائدة في استخدامها واسع النطاق لهذا الأسلوب من التجنيد، ونجاحها لوجستياً وعقائدياً في تسخير المرتزقة السوريين لأهدافها التوسعية في المنطقة، من ليبيا وحتى وسط آسيا.

لقد ولّد هذا النمط غير الأخلاقي المتنامي من قبل أنقرة قلقاً دولياً واسعاً من انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان التي يمكن أن تتحملها الدول الراعية لمثل هؤلاء المجندين وفي مقدمتهم تركيا. وكانت الأمم المتحدة قد أدانت سابقاً أنقرة على لسان غير بيدرسون (مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية) عقب كشف (المرصد السوري) لحقوق الإنسان نقل السلطات التركية لمقاتلين سوريين بينهم أطفال قسراً للقتال في ليبيا. وضمن السياق نفسه وردت تقارير عديدة تؤكد انخراط أنقرة في تجنيد مقاتلين سوريين ونقلهم إلى كاراباخ، وقالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأرمينية شوشان ستيبانيان إن مئات من المرتزقة السوريين قد وصلوا إلى الأراضي الأذربيجانية للقتال إلى جانب الجيش الأذري. وتشير المعطيات المُتداولة، إلى انتماء العديد من هؤلاء المقاتلين إلى فصائل إسلامية مسلّحة من محافظة إدلب أهمّها (تنظيم السلطان مراد) و(فرقة الحمزة).

ولا يخفى على أحد أن الظروف الإنسانية البائسة والصعوبات الاقتصادية في سورية هي التي دفعت بالعديد من هؤلاء المجندين إلى قبول القتال في قضية لا تعنيهم مقابل أجر مرتفع نسبياً قُدِّم لهم، وبحسب رسائل بَعَثَ بها هؤلاء إلى اٌقاربهم في سورية فإن سبب ذهابهم هي عقود عمل أمنية في حراسة منشآت للنفط والغاز وحمايتها في أذربيجان؟ وذكر الصحفي سلطان الكنج في تحقيق له في صحيفة المونيتور (7 تشرين الأول 2020) أن شركاتٍ أمنية تركية مُغطاة من قبل الحكومة التركية، قد ارسلت مقاتلين سوريين يحملون جنسية تركية إلى أذربيجان كانوا قد انخرطوا سابقاً في القتال ضد الجيش السوري والكرد السوريين في عفرين وإدلب، مقابل رواتب وصلت إلى حوالي 1500 دولار. لكن الحكومة الأذرية سارعت إلى نفي هذه التقارير وقالت إن هذه الاخبار هي جملة من أكاذيب تنشرها الدعاية الأرمنية. لكن نظراً لكون تركيا قد استخدمت هؤلاء المرتزقة للقتال مع قوات (حكومة الوفاق الوطني) الليبية ضد مقاتلي اللواء خليفة حفتر في ليبيا منذ بداية هذا العام، فإنه من غير المستبعد أن تكرر هذه التجربة في الصراع الأذري-الأرمني.

وإذا عدنا تاريخياً إلى مسألة استخدام المرتزقة، فإن لتركيا تاريخاً حافلاً في هذا النشاط اللاأخلاقي، والذي يعود إلى نهايات القرن التاسع عشر في حروبها في البلقان ووسط آسيا. وإن تهرّب تركيا من مسؤوليتها المتكررة في استخدام هؤلاء المرتزقة ما هو إلّا أسلوب انتهازي لتفادي المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي يمكن أن تترتب عن انتهاك هؤلاء المجندين للقوانين الإنسانية في ناغورنو كاراباخ وقبلها في ليبيا. وبحسب (الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم) في المادة الخامسة منها: (لا يجوز للدول الأطراف تجنيد المرتزقة أو استخدامهم أو تمويلهم أو تدريبهم، وعليها أن تقوم، وفقاً لأحكام هذه الاتفاقية، بحظر هذه الأنشطة).

كما اًصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراتها 49/150 عام 1994، و51/83 عام 1996، و52/112 عام 1997، التي تدين وتجرّم تجنيد المرتزقة ونقلهم واستخدامهم في الصراعات العسكرية.

في هذا السياق يجب على الجهات المسؤولة، في كلٍّ من سورية وأرمينيا، أن تضغط في المحافل الدولية لتحميل تركيا المسؤولية بموجب القانون الدولي عن أي انتهاكات يقوم بها هؤلاء المرتزقة المحميون من قبل أنقرة، سواء ما قاموا به سابقاً ضمن الأراضي السورية، أو في ليبيا أو حالياً في أرمينيا.

العدد 937 - 25/11/2020