النقد ودوره البنّاء

الدكتور سنان علي ديب:

لا يخاف من القانون وعقوباته إلا المجرم والمرتكب والفاسد، ولا يحاول إسكات الإعلام ومنعه من تصوير الواقع إلا الغائص في الأخطاء ويخاف أن يصله الدور بكشف المستور.

النقد ضرورة وحاجة في ظل تفشي الفوضى الناجمة عن أزمة أخلاق مسرطنة، كانت السبب بتضاعف انعكاسات الأزمة التي تحولت إلى حرب كونية بشتى الأدوات، لجعل سورية دولة فاشلة ولتمرير أجندات شبيهة بما حصل في بلدان مجاورة.

 ما نراه للأسف بيادق على لوحة شطرنج واللاعب الأساسي يوجّه أصابع أدواته لتحريكها حسب حاجاته، فبلدان على شفا الانفجار يفكون الصاعق ويمنعون الانفجار مع وضع ألغام عديدة، وبلدان تملك كل أساليب الثبات والصمود والتنمية تُفكَّك بنيوياً بشتى الأساليب والأدوات الإرهابية المنظورة والمخفية.

وما دمنا نتكلم عن النقد ودوره الإيجابي، فقد تذكرت مقالة قريبة تناولت ضرورة إفساح المجال لشتى الأقلام لإعطاء رؤيتها، وذلك يوم الجدال حول برنامج حكومة ما قبل الأزمة، الذي تحول إلى صراع وقلما نفذ قلم اعترض على ذلك البرنامج، الذي قضى على الكثير من المحاصيل والتحصينات وعرقل إصلاح القطاع العام مع أن الأموال كانت موجودة، وعرقل وكان يهرب من الواقع والخصوصية بتتويهنا في تجارب، على أساس أنه يجب الاقتداء بها مثل الماليزية والسنغفاروية وشرق آسيا مروراً بالهندية والخصخصة التركية واللعب بالمصطلحات باختيار نهج اقتصاد السوق الاجتماعي المتبع في الصين، والذي أُنقذت به ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتنفيذ ما لا يمت له بصلة تأسيساً لتضييع الهوية الاقتصادية وضرب القطاعات الإنتاجية والأمن الغذائي وليكون هذا نواة التدمير الممنهج الذي هجّر الفلاحين من أراضيهم بالمنطقة الشرقية وإدلب، وأغرق السوق بالبضائع التي كنا ننتج مثلها، مما أدى إلى إغلاق الكثير من الصناعات، وأذكر أنني، في لقاء عام ٢٠٠٨ مع إحدى الصحف، قلت: هذا النهج سيؤدي إلى نتائج اجتماعية كارثية ودموية! وحصل وبُرِّر الفساد وكان الرقم المعترف به من أعلى سلطة ١٠٠٠ مليار عام ٢٠١١، وكان كل النقد الذي صدقت رؤاه رمي كلام، والحكومة تقول: قولوا ما تريدون ونحن مستمرون! وأتت الحرب وتنوعت أدواتها وصولاً إلى الإرهاب الاقتصادي والتازيم المقصود وافتعال الطوابير وحرق الأراضي والمحاصيل. ولا تخلو الصحف والوسائل الإعلامية من تنبؤات تصدق وثغرات تؤسس لكوارث، ولكن هيهات من أخذها بالحسبان ومتابعتها وتصحيح الأخطاء التي أوصلت إليها. وجاءت بعدها أحداث نندم اليوم على تغاضينا عنها، وعدم الاحتراز والاستعداد، وظل حماة الثغرات يعيشون برغد ورفاهية ولا مبالاة فلا حسيب ولا رقيب!

كثيراً ما حذّرنا من سياسات مالية ونقدية ومن تحويل الأزمة إلى استنزاف وتسهيل الانهيار، ولكن (عبث!)، فمن يجلس على الكرسي يظن نفسه إمبراطوراً لذاته ولا يمكن النيل منه، وبدلاً من أخذ الانتقادات بالحسبان وتصويب الأخطاء، يتمادون ويطغون وتكون الكوارث مضاعفة، ويدفع الآخرون والوطن ثمن غبائهم وتجاهلهم وفسادهم.

صحيح أن هناك عقوبات وحصاراً وتدميراً، ولكن، كان وما زال هناك ثغرات مرئية بلا مجهر ولم يعد الاختباء وراء الأزمة مبرراً لها ولتناسيها ويجب متابعتها وتصحيحها ومحاسبة مرتكبيها.

ما ذنب الفقراء الشرفاء ليدفعوا ضريبة الاستهتار واللا مبالاة ممّن وُظِّفوا لخدمتهم؟ وما ذنب بلدنا حتى يجري حرمانها من أغلب ثرواتها كلما هممنا بالانطلاق؟!

أكثر من ٣ ملايين شجرة زيتون وأكثر من مليون ومئتي ألف شجرة حمضيات وأكثر من ١١٠٠ خلية نحل ومئات الهكتارات حرمنا من منتجاتها ومن إنتاجيتها اللامبالاةُ وعدم الاكتراث لأقلام طالما حذرت ممن لا يهابون القانون ويعتدون على الأراضي والغابات. شريط ساحلي استُملك وأُهمل! غابات أُهملت وسُلبَت، وأقلام تنبّه وتستقرئ الكوارث، واللامبالاة هي الرد، فلا رقيب ولا محاسب.

يسأل المواطن: لماذا تكتبون؟! فلا أحد يأخذ بما تقولون وأنتم أدوات للتنفيس! ويضحك المسؤول على التعب والجهد، فهو محمي ومصون، وأي كلمة تزعجه ولا تدخل ضمن الميزان هناك من يحاسب ويعاقب من كتبها، وانقدوا ما تستطيعون، فالكلام على الورق لا ثمن له!

عندما تصبح الأقلام بلافائدة للتسلية وملء الصفحات وعندما تطغى على عناوينها صور الرقص والممثلات، وعندما يفقد المواطن ثقته بما هو موجود عليها وآتٍ فلنعلم أن أهم سلطة رقابية قد حُيِّدت وفُرِّغت لتتكامل مع غيرها من السلطات التنفيذية والتشريعية.

سلطة الإعلام يجب أن تكون مصونة ومحصنة، ومحتواها يؤخذ بالحسبان وتحت المجهر للبناء والعمل الصحيح لتسليط الضوء على الثغرات وإصلاحها لتكون رادعاً لكل فاسد ومرتكب ومتغطرس. لتساند سلطة القانون وقوّته، فبلا قانون فوضى عارمة وتجاوزه بلاء أعظم.

في حوارات مع شخصيات غير سورية داخلاً وخارجاً، عندما كنا ننتقد وبقوة يُفاجَؤون ويتهموننا بدورٍ ما وعندما نقول لهم إننا لسنا وليد اللحظة وقبل الأزمة بسنوات هناك فسحات من الحرية الإعلامية، وخاصة بمجال الاقتصاد ومواجهة الفساد كانوا  يعلنون الامتعاض.

النقد البناء ضرورة ومسؤولية وواجب على كل وطني شريف ويجب أن يكون محمياً ومصوناً بالدستور والقانون.

فدون تعاون الجميع لن تسهل طرق الخلاص وخاصة في ظل تغيير الخطط الإرهابية وتجديدها، والعلاج الأوحد لمواجهتها هو تحصين داخلنا ودواخلنا وبلدنا.

وليست الحرائق التي التهمت الأخضر واليابس آخر مشوارهم،

ولكن كل إرهاب يصنع بداخلنا آمالاً متجددة ناجمة عن وحدة شعبنا، وعن استشعار بضرورة وضع حد للمستهترين والمنتفعين والمتخاذلين، وبضرورة حماية الأقلام الناقدة الإيجابية الصادقة المتألمة للوطن والمواطن، لأنها ضمن مجال صراع الحق والباطل والقانون والفوضى والمؤسسات والأموال السوداء.

العدد 937 - 25/11/2020