التسعير يفرضه التجار.. وتسعيرة الحكومة وهمية

سليمان أمين:

قالوا لفرعون: من فرعنك؟ قال: (لم أجد من يردعني!)، وكذلك حال التجار المتحكّمين بالسوق اليوم، فهم لم يجدوا حكومة أو قانوناً يردعهم، فأصبحوا أكثر وحشية دون ضمير ولا إنسانية، همّهم الوحيد هو زيادة ثرواتهم على حساب المواطنين الذين قدموا كل ما يملكون من أجل وطنهم وحماية مسؤولي بلدهم و تجّاره المغرّدين بوطنيتهم الفذة في جلّ خطاباتهم البراقة، وهم بعكس ذلك فاعلون بفرض سيطرتهم على كل الأسواق، متحكمين بلقمة عيش المواطنين برفع تسعير كل المواد الأساسية وغيرها، وفق مزاجهم الخاص، وتصادق لهم وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك على الأسعار بإصدار نشرة أسعار جديدة بأسعار مرتفعة، فيردون عليها برفع الأسعار أكثر دون التقيد بلائحة الأسعار الجديدة التي وضعتها الوزارة أو إحدى مديرياتها، والمضحك المبكي هو تصريحات الوزارة وتوعداتها بالمحاسبة والعقاب لمن لا يلتزم بالتسعيرة الجديدة، وهي مما لا نرى منها أي شيء، بل نرى العكس، فمؤسسات التجارة الداخلية التابعة للحكومة ترفع أسعارها وفق تسعيرة التجار مخالفة بذلك نشرة أسعارها التي حددتها فيها لجنة التسعير بوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومنها أسعار العديد من المواد الغذائية الأساسية كالسكر والزيت والأرز والبرغل واللحمة والبيض بما يتناسب وسعر التكلفة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لضبط أسعار العديد من السلع الغذائية والحد من أثار تقلبات سعر صرف العملات الأجنبية.

فقد طلبت الوزارة من أصحاب الفعاليات التجارية الالتزام بنشرة الأسعار لتلك السلع وعدم تجاوزها، ودعت المواطنين للإبلاغ عمن يقوم بالبيع بسعر زائد عن التسعيرة المقررة.

 لكن هذه النشرة لم يطبق منها أي شيء حتى هذا اليوم، فما زالت الأسعار أعلى بكثير مما وضع في نشرة التسعير الوزارية، ومن خلال جولاتنا المستمرة في الأسواق وصالات السورية للتجارة لم نلمس أي تعديل على أيّ مادة، بل العكس هناك ارتفاع جديد تسجله الأسواق كل يوم، كما رفعت السورية للتجارة أسعار بعض المواد ومنها أسعار الألبان والأجبان بفوارق كبيرة، ففي اللاذقية مثلاً رُفع سعر علبة لبن المباقر من 700 ليرة سورية إلى 850 ليرة سورية، إضافة إلى رفع باقي أسعار المشتقات الحيوانية بمختلف أنواعها بفوارق سعرية مختلفة، أما بالنسبة للأسواق فالزيوت لم تشهد أي انخفاض بل تسجل ارتفاعاً طفيفاً، فسجل سعر ليتر زيت دوار الشمس مع بداية الأسبوع 3600 ليرة سورية، بينما تسعيرة الوزارة 3200 ليرة سورية للمستهلك، وكذلك بالنسبة للرز والبرغل لم يشهدا أيّ انخفاض نهائياً، فمازالت الفوارق السعرية للمادة قائمة بين النشرة التي حددتها الوزارة وأسعار السوق لا تقل عن 300 ليرة للمادة، كما شهد السوق هذا الأسبوع انخفاض كمية البيض بسبب توقف الكثير من الباعة عن شراء البيض بعد الارتفاع الكبير للصحن، الذي وصل إلى أكثر من 4200 ليرة سورية، بينما تسعيرته في نشرة أسعار الوزارة 3600 ليرة سورية للمستهلك، فضلاً عن أسعار اللحوم والفروج وغيرها من المواد التي تشهد ارتفاعاً مستمراً دون التقيد بأي تسعيرة حكومية .

مازلنا نعيش الاستعراض الحكومي بكل مقاييسه دون أن نرى أي نتائج لأي كلمة تصرح بها وزارة حماية المستهلك أو أي تسعيرة تحددها تطبّق بشكل واقعي على أي مادة، ولا نرى أي فعل إيجابي تقوم به لجان التموين سوى غض النظر عن تسعيرات المواد الذي يضعها كل تاجر بوضع يده في جيوبهم. ما نحتاجه اليوم أن نرى العمل الحكومي جدّياً وفعالاً وفرض سيطرتها على التجار، لا الاستعراض غير المجدي، وترك التجار يفرضون سيطرتهم على المفاصل الحكومية وقراراتها. 

العدد 933 - 28/10/2020