في ذكرى حرب السادس من تشرين 1973 .. الدور الذي لعبه الشعب الروسي والقيادة السوفييتية في دعم الجيش السوري.. والتحالف والتلاحم بين الطرفين

لقد استندت بالمعلومات العسكرية في مقالتي هذه على دراسات عسكرية مهمة صدرت عن حرب تشرين التحريرية ودور سورية ومصر والاتحاد السوفييتي، في التحضير والتخطيط والتنفيذ، وأنا مدين بتلك المعلومات العسكرية القيمة، إضافة إلى معلوماتي وتحليلاتي السياسية عن تلك المرحلة، لصديقي المؤرخ العسكري والباحث الاستراتيجي الجنرال رزق إلياس.

أولاً_ خلال فترة التحضير لحرب تشرين التحريرية على الجبهة السورية:

سياسيا، وقفت (إسرائيل) ضد كل المبادرات السلمية التي عرضها الاتحاد السوفييتي لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242، القاضي بانسحابها من كامل الأراضي التي احتلتها (سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة ) في عدوانها على الدول العربية (مصر وسورية والأردن) في الخامس من حزيران عام 1967، كما لجأت بعد احتلالها هذه الأراضي إلى إنشاء المستوطنات فيها بغية (ضمّها)، مخالفة بذلك كل القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، لذا لم يكن أمام الاتحاد السوفييتي من خيار سوى الوقوف إلى جانب هذه الدول التي احتلت أراضيها بغية تحريرها بالقوة المسلحة بهدف (إزالة آثار العدوان).

وبناء على ذلك اتخذت القيادة السوفييتية قراراً بتقديم الدعم السياسي والعسكري لهذه الدول، وفي مقدمتها سورية ومصر.

لقد أخذت سورية قراراً بحشد جهود كل طاقات الدولة السورية تحضيراً للحرب وخوضها خلال خمس سنوات منذ عام 1967 حتى عام 1973. أما في السياسة الخارجية، لا سيما بعد عام 1970، حين استلم الراحل حافظ الأسد السلطة فقد تمت تنقية العلاقات مع مصر وعمقت التحالف، كما طورت العلاقات مع المعسكر الاشتراكي، وفي طليعته روسيا، باعتباره المعسكر الذي كان يقف إلى جانب قضايا العرب العادلة.

وفي المجال العسكري، قرر الرئيس حافظ الأسد إعادة بناء القوات المسلحة السورية وفق متطلبات الهجوم، في التنظيم والتسليح والعتاد والتدريب وتأمين المؤخرة اللوجستية والإعداد الهندسي لمسرح العمليات، وكذلك إعداد أجهزة الدولة للحرب، وطلب الاستعانة بالقيادة السوفييتية لإنجاز هذه الخطة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز خمس السنوات. وقد وافقت القيادة الروسية على طلبه، وتمثل ذلك بإرسال الخبراء الروس إلى سورية بواقع خبير واحد لكل كتيبة، وخبير واحد أو أكثر لكل لواء وفرقة وإدارة وهيئة، ونما حجم الجيش السوري، في هذه الفترة، إلى أربعة أضعاف في الدبابات، فوصل إلى حوالي ألفي دبابة، وإلى خمسة أضعاف في عتاد المدفعية فوصل إلى 1800مدفع وهاون، وإلى ثلاثة أضعاف ونصف في الناقلات المدرعة فوصل إلى 1411 ناقلة، وإلى 3892 مدفع ورشاش مضاد للطيران ، وإلى أكثر من ألف مدفع وقاعدة صواريخ مضادة للدبابات، وإلى 600 قاعدة صواريخ متنوعة ضد الطيران، ولم يكن بحيازة الجيش السوري شيء منها، وإلى أكثر من 260 طائرة مقاتلة وحوامة.

ومما هو جدير بالذكر أن الأسلحة الروسية، التي تسلح بها الجيش السوري لخوض هذه الحرب، كانت من النوعية المتقدمة وبخاصة أسلحة القوات البرية التي كانت متفوقة على مثيلاتها الموجودة لدى القوات (الإسرائيلية)، ونخص بالذكر منها الدبابات الحديثة ت 62، والعربة (ب ر دم) الحاملة للصواريخ المضادة للدبابات، والناقلات (شيلكا) المسلحة بالمدفع عيار 23 ملم الرباعي المضاد للطيران، والناقلة المدرعة ( ب م ب1) المزودة بالمدفع عيار 73 ملم، والقاذف الصاروخي المضاد للدبابات ب –7، ومدفع الهاون عيار 240 ملم، وصواريخ (لونا) أرض – أرض التي يمكنها توجيه الضربات إلى الأهداف الحيوية في العمق العملياتي (حتى 75كم).

وفي مجال القوى الجوية، قام الاتحاد السوفييتي بمد الجيش السوري بالقاذفة المقاتلة (سوخوي 20) وبصواريخ أرض – جو مختلفة الأنواع، التي كانت ذات فعالية متميزة في أرض المعركة، كما سلح القوى البحرية السورية بزوارق الصواريخ الرباعية من النوع الحديث.

وفيما يتعلق بالمساعدة في مجال التأهيل والتدريب، أوفدت أعداد كبيرة من البعثات الفنية إلى الاتحاد السوفييتي للتدريب على الأسلحة والأعتدة الجديدة، كما تم تدريب عدة ألوية في الدفاع الجوي، وساهم الخبراء الروس في تأهيل مئات الكوادر من الضباط في المنشآت التعليمية الروسية والسورية. كل ذلك جرى والجيش السوري يخوض حرب الاستنزاف مع القوات (الإسرائيلية) التي تحتل الجولان السوري.

ثانياً_ خلال فترة التخطيط لحرب تشرين عام 1973:

في أواخر شهر شباط (فبراير) عام 1973، أعلم الرئيس حافظ الأسد القيادة الروسية بأن هيئة الأركان السورية وهيئة الأركان المصرية تخططان معاً لتحرير أراضيهما المحتلة في الجولان وسيناء، وطلب من القيادة الروسية تيسير الطلبات المصرية العالقة بشأن الأسلحة، فتجاوبت القيادة الروسية، فوراً، مع ذلك دون أية شروط، وظلت القيادتان السورية والمصرية تجريان عملية التخطيط والتنسيق دون مشاركة القيادة الروسية حتى نشوب هذه الحرب في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973. وللتاريخ والإنصاف، فان عبء عبور قناة السويس وقع، إضافة إلى تضحيات الجيش المصري، على عاتق شهداء سورية، وذلك لقبولها، بناء على طلب مصر والفريق أول أحمد إسماعيل وقبل ثلاثة أيام فقط من المعركة، تغيير ساعة الصفر من السادسة صباحاً – وهو الموعد المتفق عليه والمواتي أكثر للسوريين لينجزوا المهمة اليومية لهم خلال النهار المضيء والمشمس والطويل والوصول لإنجاز التشبث بالأرض على رؤوس الوديان المشرفة على سهوب طبرية والحولة – ولكن إصرار الفريق أحمد إسماعيل على تغيير موعد البدء إلى الثانية ظهراً بما يتيح للمصريين إدخال فرقهم المدرعة بعد غروب الشمس بش

كل يخفف كثيراً، لا بل خفف، من تأثيرات الطيران (الاسرائيلي) عليهم، على عكس ما حصل مع السوريين، فقد حدّ الطيران (الاسرائيلي) من حدّة هجوم القوات السورية المهاجمة، وخيم المغيب بعد ثلاث ساعات، وفقدت القوات قدرتها على المتابعة ليلاً، خصوصا الدبابات، بسبب وعورة الجولان المشهورة.

يذكر أنه وفي آخر اجتماع بدمشق، هدّد رئيس الأركان اللواء يوسف شكور – رحمه الله – بالاستقالة في حال تغيير الموعد، لكن أحمد إسماعيل قال إن السوريين مشهورون بنكران الذات، ولن يتوانوا، هذه المرة، عن التضحية.

 وحسم الراحل حافظ الأسد الجدل، وقبل بتغيير موعد الهجوم المشترك، معتبراً أن العبور الى شرق القناة على جسر الشهداء السوريين بالجولان هو بحد ذاته نصر؛ وهذا ما حصل، وسينصف التاريخ عظمة وتضحية ثلاثة آلاف شهيد سوري، صدموا جيش العدو (الإسرائيلي) بعنف على جبهة الجولان، وعبر عنه، بوضوح، كتاب (التقصير).

ثالثاً_ في فترة خوض الحرب:

من المعلوم أن القيادة الروسية قامت بإجلاء رعاياها المدنيين من سورية ومصر اعتباراً من يوم الخميس 4/10/1973، أي قبل نشوب الحرب بيومين، وعند نشوب الحرب، طلبت القيادة السورية من القيادة الروسية انسحاب الخبراء الروس الموجودين مع التشكيلات العسكرية في الحرب إلى منازلهم، خوفاً على سلامتهم، فأجابت القيادة الروسية بأن الخبراء أنفسهم يرفضون ذلك، وهذا الأمر متروك للخبراء أنفسهم، وقد ظل الخبراء الروس مع التشكيلات السورية، وكانوا مثالاً لقيم الإخلاص والشجاعة والوفاء. وفي اليوم الثاني لنشوب الحرب وقبل انعقاد جلسة مجلس الأمن، في التاسع من تشرين عرض سفيرا روسيا في كل من دمشق والقاهرة على القيادتين السورية والمصرية فكرة وقف إطلاق النار المشروط بانسحاب القوات (الإسرائيلية) إلى حدود الرابع من حزيران سنة 1967، فلم يلق هذا الاقتراح موافقتهما، فيما عرضت الإدارة الأمريكية هذه الفكرة على (إسرائيل) فطلبت إسرائيل عودة القوات السورية والمصرية إلى مواقعهما قبل الهجوم كشرط لوقف إطلاق النار. وقد أدى هذا التعارض الحاد في موقف الطرفين إلى انفضاض جلسة مجلس الأمن في 9/10 من دون التوصل إلى قرار، واستمرت الحرب على الجبهتين في ظروف مواصلة كل من الدولتين العظميين إمداد الطرف الذي تؤيده بالأسلحة والذخيرة والعتاد.

بدأ الجسر البحري والجوي الروسي اعتباراً من 10 /10 بتوريد السلاح إلى سورية ومصر واستمر حتى نهاية الحرب. وقد استعاضت سورية بموجبه 1047 دبابة من الأنواع (ت54– ت55) بالنموذج (ت62) مع 350 ناقلة مدرعة و300 مجموعة صواريخ كوبرا م/ط، و212 قاذفة صواريخ مالوتكا من دون عربة، و30 مدفعاً مضاداً للدبابات عيار 106 ملم، و160 مدفع هاون، وحوالي 150 طائرة مقاتلة. وقد قامت الطائرات الروسية (أنتونوف ) بـ 900 رحلة جوية نقلت فيها 15 ألف طن من الأسلحة والعتاد، قاطعة مسافة ألفي ميل على ارتفاعات عالية في كل رحلة عبر الأجواء اليوغسلافية والتركية. ويمكن القول إنه قبل نهاية الحرب عوض الاتحاد السوفييتي سورية كل الأسلحة التي خسرتها في القتال، وقد جاء هذا الإمداد في الوقت المناسب خلال الحرب، الأمر الذي أفشل الضغوط (الإسرائيلية) على القيادة السورية لإجبارها على وقف إطلاق النار من خلال العملية الهجومية التي قامت بها باتجاه القنيطرة – سعسع للوصول إلى دمشق، والتي ساندتها بالقصف الاستراتيجي الجوي للأهداف العسكرية والاقتصادية الهامة في سورية.

وفي 19/10، طلبت القيادة المصرية من القيادة الروسية التدخل لوقف إطلاق النار على خلفية عبور القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة من ثغرة الدفرسوار وتطوير هجومها في العمق إلى حوالي 20 كم، وفي 21/10، أرسل الرئيس السادات إلى الرئيس حافظ الأسد رسالة يعلمه فيها بأنه عرض على القيادة الروسية طلبه بوقف إطلاق النار طالباً من الرئيس الأسد تأييد ذلك، ولكن الرئيس الأسد أجابه بضرورة الصمود على الرغم من الخرق الإسرائيلي في الجبهتين، وطلب منه المناورة بالقوات، ولكن السادات أصر على طلبه، وتوصلت القيادة الروسية مع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار على الجبهتين السورية والمصرية، واتخذ مجلس الأمن هذا القرار برقم 338 تاريخ 22/10 /1973 القاضي بدعوة الأطراف المشتركة بالقتال إلى وقف إطلاق النار، وإلى البدء فوراً بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967 بجميع أجزائه، وأن تبدأ المفاوضات بين الأطراف تحت الإشراف الملائم، بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وقد مر على هذا القرار، حتى الآن 46 سنة، وما زالت (إسرائيل) تحتل الجولان السوري والضفة الغربية وتبني فيهما المستوطنات.

ويأمل الصهاينة أن تكون نتيجة الحرب غير المتماثلة التي تخوضها سورية الآن ومنذ أكثر من ثماني سنوات هي تقسيم سورية إلى دويلات كي يتم إخراجها كلياً من الحرب، الأمر الذي يتيح لهم ضم الأراضي التي احتلوها عام 1967.

إننا نشكر الشعب الروسي العظيم على وقوفه، معنا، سابقاً والآن، ونقف باحترام لشهداء الجيوش الروسية والسورية.

دمشق_ 6/10/2020

العدد 933 - 28/10/2020