(الاقتصاد والعولمة) في جمعية العلوم الاقتصادية

هيفاء شعبان:

أقامت جمعية العلوم الاقتصادية_ فرع اللاذقية ندوة حوارية من سلسلة ندواتها في المركز الثقافي العربي بعنوان (الاقتصاد والعولمة) برئاسة الدكتور سنان علي ديب (رئيس فرع جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية)، بحضور نخبة من المفكرين والسياسيين والمهتمين.

بدأت الندوة بالوقوف دقيقة صمت تقديراً لأرواح شهداء سورية.

ثم تحدث الدكتور سنان قائلاً: في ظل الوتيرة المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، يبرز مفهوم العولمة وما لها من تأثير على حياة البشر تجلت في إعادة صياغة كل الأصعدة والآفاق المتعددة لهذه الحياة.

وقد شملت هذه العولمة أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، كما تعددت أشكالها، فمنها العولمة الاقتصادية، والعولمة السياسية وعولمة اللغة وعولمة التعليم والعولمة الثقافية والعولمة الدينية والعولمة العسكرية، والعولمة الفكرية، والعولمة الإدارية والعولمة التقنية.

ولعل الجانب أكثر تأثراً بهذه العولمة هو جانب الاقتصاد، ومن هنا تطرح أسئلة: ماهي أهداف هذه العولمة؟ وما الأدوات التي ارتكزت عليها في انتشارها؟

من الجلي أن من الأهداف التي تبرز في الواجهة تلك الأهداف البراقة والجذابة، مما جعل بعض مفكري الدول النامية يؤيدها ويتحمس لها.

ومن هذه الأهداف المعلنة: زيادة إنتاج النمو الاقتصادي على المستويين العالمي والمحلي، وزيادة حجم التجارة العالمية الذي يجلب انتعاشاً اقتصادياً، وتالياً زيادة في رأس المال، وذلك بالاستعمال الأفضل للعمال ذوي الإنتاج المرتفع.

وتحدث الرفيق عبد الرزاق درجي، فقال:

إن من ركائز العولمة الاقتصادية التحرير المطلق للأسواق ما يفتح أبواب الطوفان لإغراق الدول بالسلع والخدمات الغربية المتطورة، فيؤدي إلى عجز خارجي دون مراعاة الوضع الداخلي لتلك المجتمعات النامية.

ومن أكثر الأهداف الرنانة تلك التي تأتي تحت غطاء حل المشاكل الإنسانية التي استعصى على الدول حلّها، كانتشار أسلحة الدمار الشامل وانتشار المخدرات وقضايا البيئة وانتقال اليد العاملة من دولة إلى أخرى.

لكن الهدف الاول لهذه العولمة أو بالأحرى هذه السيطرة الاقتصادية هو تقريب الاتجاهات العالمية نحو تحرير أسواق التجارة ورأس المال، ومن الملاحظ أن هذا يصب في أهداف النظام الرأسمالي وأسسه، وهذا يعني عولمة الاقتصادات وصبغها بالصبغة الرأسمالية.

فهذه الأهداف والأسس تتفق مع اتفاقيات المنظمات الاقتصادية العالمية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، فمن أساسيات صندوق النقد الدولي في التعامل: تسهيل التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية وذلك للإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من التشغيل والدخل الحقيقي، وهذا طبعاً مع إلغاء القيود المفروضة على المعاملات المعرقلة لنمو التجارة العالمية.

تبدو هذه الأهداف أنها تحقق مصالح الدول النامية، لكن خلف هذا الستار الواهي يختفي الوجه الحقيقي لهذه العولمة، ألا وهو هيمنة الدول الكبرى على اقتصادات الدول النامية والتحكم في قراراتها السياسية لتحقيق مصالحها، وذلك بتعميق الخلافات بين الحضارات والمجموعات البشرية.

ويأتي هذا بفرض سيطرة عسكرية، ثقافية، غربية، على هذه الدول، لنهب ثرواتها ولمحو الهوية الثقافية، وربط الإنسان بالعالم لا بالدولة، لإضعاف هيبة الدولة ولعل حقبة الاستعمار في القرن الماضي خير دليل على هذا.

هذه الأهداف المخفية التي تخدم مصالح أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى، وليست لخدمة مصالح المواطن في الدول النامية، وحتى في داخل الدول المصدرة لهذه العولمة، نجد أن هناك تعارضاً بين سياسات المنظمات الاقتصادية العالمية عند تطبيقها، فرفع المستوى المعيشي يتعارض مع الخصخصة وما يترتب عليها من بطالة.

أما النموذج الغربي المفروض على هذه الدول فهو بعيد كل البعد عنها سواءٌ كان ثقافياً وعقائدياً أو اجتماعياً، فبهذا تصبغ المجتمع بنموذج غربي رأسمالي، لكن هذه المجتمعات لا تجد بداً سوى الرضوخ لسياسة هذه المنظمات بسبب الديون المتراكمة، فتتحول أرباح الاستثمارات الأجنبية إلى الخارج بدل الاستفادة منها داخلياً.

ولترسيخ هذه الأهداف كان لها أدوات ارتكزت عليها، ويبرز في الصدارة المنظمات الاقتصادية الدولية التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، وأبرزها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية، وهذه المنظمات تبرز سيطرة الدول الصناعية وتوجهها لتحقيق مصالحها وعلى رأسها عولمة الاقتصاد الدولي، وفي الوقت نفسه إضعاف نفوذ الدول النامية في تلك المنظمات، لتصبح عاجزة غير قادرة على تمثيل نفسها تمثيلاً جيداً.

ومن أدواتها أيضاً فرض العقوبات الاقتصادية من طرف الدول الغربية الكبرى على الدول النامية، لتحقيق أهدافها في عولمة الاقتصاد العالمي بحجج واهية، مثل انتهاك حقوق الإنسان أو مكافحة الإرهاب أو الحيلولة دون انتشار الأسلحة النووية.

وتحدث الدكتور سنان عن دور الشركات متعددة الجنسيات في عولمة النشاط الإنتاجي بآليتين: التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي المباشر، وهذا بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فشُجعت على الخصخصة في العالم واتباع سياسة السوق الحرة، ما أدى إلى مشاركة الشركات الدول الكبرى في رأس مال الشركات في الدول الفقيرة، ونقل المصانع من المراكز الرأسمالية الغربية إلى أسواق العالم النامي، حيث تكون الأيدي العاملة رخيصة، مما يعود بالنفع على الشركات العالمية على المدى البعيد.

التداول لأدوات الاستثمار الأجنبي مثل الأسهم والسندات والعملات التي بواسطتها ينتقل رأس المال بين الدول بالبيع والشراء، وقد تخرج تلك الأموال فجأة نتيجة لفرض عقوبات بسبب عدم الالتزام بشروط العولمة الاقتصادية ومتطلباتها، مما قد يتسبب في أزمات اقتصادية كبيرة.

ولعل أهم الوسائل التي ساعدت في عولمة الاقتصاد وانتشارها وسائل الإعلام والتقدم المستمر لها، فنتيجة لحملات الإعلان المكثفة أصبح الناس يستهلكون ما لا يحتاجونه، بل يطلب منهم الزيادة في الاستهلاك حتى تظل عجلة الصناعة الغربية في حركة مستمرة.

العدد 933 - 28/10/2020