شخّصنا الداء.. بانتظار الدواء

الدكتور سنان علي ديب:

تفاجئنا وسائل التواصل الاجتماعي بالتركيز على بعض الحوادث والتي جزء منها مهم وله معنى ولتعميمه نتائج إيجابية، ولكن بالمقابل فإنه يشخّص كأنه حفنة ماء في صحراء، أو كقطرات من المطر في ظل حر شديد مستمر، وفي خلاصة مفيدة هو تشخيص مبسط لداء مسرطن نتائجه سلبية على الحالة بعموم والحياة بكل نواحيها، وما يظهرونه هو وزير الزراعة الجديد، كبطل للقطات الجميلة.

في زمن نار الغلاء و العطش لتحسين مستوى المعيشة والدعاء لله بأن تأخذ الأجهزة المختصة دوراً في ضبط أسعار متسارعة الارتفاع، وفق نغمة تتماهى مع كل إشاعة بزيادة الرواتب، ولو أن نتائجها دمار شامل وفقر متزايد وتناقص القوة الشرائية مقارنة بما سبقها، ولسان حال أصحاب المال: نحن نقرر، ونحن ندير ونختار ما يزيد ربحنا ولو تضاعف التضخم مئات المرات!

المهم أن اللقطة الجديدة هي شغور في أحد المناصب، فأعلن شبه مسابقة ضمن شروط لملئه من ضمن كوادر الوزارة، وقُدّمت الطلبات لاختيار الأفضل أو من يناسبهم. وهذا يقودنا لتساؤلات عديدة:

هل ما يفعله الوزير هو رسالة بأن السير عبر التراتبية الوظيفية يؤدي إلى استمرار الحالة، وتالياً لن يحصل أي تغيير مرجو، واللجوء إلى هذه المسابقة هو لتجاوز شخوص ملؤوا مناصب من دون ان يحملوا الكفاءات المناسبة، وإذاً التغيير بهذا الأسلوب يجب أن لا يقتصر على هذا الشاغر ولكن يجب أن يعمّم وليس فقط بوزارة الزراعة وإنما في كل الوزارات، لأن مرض التعيينات الذي نجم عنه شبه كوارث ذاق من ورائه الوطن والمواطن الكثير من الويلات، وبضمنها وزارة الزراعة التي كانت مثالاً يفتخر به بتفوقنا بإنتاج زراعي حيواني يؤمن غذائنا ونصدر منه ونؤمن القطع الأجنبي، ويؤمّن حياة لائقة لنسبة كبيرة من سكان بلدنا وفوائض مالية ويؤمن مدخلات لصناعات كثيرة تحقق قيماً مضافة مضاعفة. ولكن البناء بحاجة إلى تضافر جهود وعقلية منتظمة وقرارات، والتهديم قد يمر عبر قرارات أقل وتضليل أكبر، وكلنا يذكر الرئيس الفرنسي المرحوم ديغول عندما وجد من اخترق إدارات بلده كجاسوس، وعندما سُئل قال: دوري وضع الإنسان في مكانه غير المناسب.

وهو يلخص ما اجتمع عليه محبّو البلد والساعون للخير له بأن الإصلاح الإداري هو العلاج الأمثل للكثير من مشاكلنا، والتعيين على أساس الكفاءة والنزاهة، وأن يتبع تشكيل حكومة ذات برنامج وطني حرية اختيار الموظفين لوزرائها، وهل أعلن الوزير بداية الطريق وأعلن عدم ثقته بالأسس الماضية لتكون جسراً لأساليب جديدة للتعيينات؟ وهذا يقودنا أيضاً إلى تساؤل جديد: ما دام الوزير من كوادر الوزارة وارتقى السلم الوظيفي فيها، ألم يكن أجدى أن يختار هو الشخص عبر معرفة مسبقة وعبر شهادات ووثائق تضمها الوزارة، أم أن أسلوب المسابقة أجدى ليكون ورقة ضغط على غيره من الوزراء والوزارات، وبعدها يتحمل كل مسؤول نتيجة تعييناته؟ وهذا يضعنا ايضاً أمام تساؤل: في ظل عدم القدرة على إخفاء صغائر الأمور ألا توجد مديريات للموارد البشرية في كل وزارة تعرف كفاءات الموظفين وتاريخيتهم والمنفعة الممكنة لكل منهم، وتالياً نستطيع اختصار الوقت واختصار لجوء البعض إلى مراكز قوة لتملأ الفراغ المراد؟

مهما يكن فإن ما قام به الوزير هو نمط جديد لم نعهده، ويلي تخصيصه يوم لمقابلة من يملكون أفكاراً أو يحملون آراء بناءة، والأهم هو تكريس هذه الأفعال بما يخدم الغاية المرجوة من وزارته بتأمين الأمن الغذائي وبما يحقق الأهداف الوطنية: حياة لائقة للمزارع وللمواطن، ويوفر على البلد تكاليف استيراد المنتجات والمواد اللازمة لإنتاجها، وضبط الأسعار وبضمنها العُدد والمواد اللازمة للزراعة وخاصة العلف والسماد التي مضى عقد كامل يتحكم بها قلة من أصحاب رؤوس الأموال، وسط إبعاد الدور الحقيقي لاتحاد الفلاحين وللدوائر التابعة له.

سلوك الوزير جميل ومعاكس لما اعتدنا عليه، ولكن بسبب قسوة المعاناة وجدناه كحلم وهو يشخص أمراضاً نجم عنها كوارث، ولكن حتى في الطب تشخيص المرض مهم ولكنه غير كافٍ والأهم اختيار العلاج الصحيح الشافي.

ويبقى أن نشعل شمعة خير من أن نلعن الظلام.

ولكن الأجمل اجتياز نفق الظلام.

الشعب في ظروفنا ملّ من التنظير ويريد أن يلمس تحقيق المطالب،

فهمّه تحسين مستوى معيشته عبر تحسين القدرة الشرائية بشكل واقعي صحيح، ولا يهمه زيادة كمية من الأجور يتلوها رفع مضاعف للأسعار.

ولا يهمه تعيينات شكلية لا تنعكس على جودة الخدمات وأسعارها.

الإصلاح الإداري جسر لتجاوز ظلامية نفق مليء بالفساد، فهل نسير فوق الجسر ونرمي الفساد على جانبيه؟

ولو طال الانتظار لن نمل ولن نيأس.

العدد 933 - 28/10/2020