ما الفرق بين أن تعيش الحياة وأن تمارس فعل الحياة!

 غزل حسين المصطفى :

ما الفرق بين أن تعيش الحياة، وأن تمارس فعل الحياة!؟

بين تلك الشّقوق التي امتهنت رسم الألم وتدوين مآسي الحياة، وعند المدامع الماطرة، تستطيع أن تسمع وتُدرك بوضوح قصص قلوبٍ تُشيّع نفسها، وأحضانٍ قد يبست وهاجر واردها، هناك فقط ستجد ضالّتك وجواب السؤال الذي أُسلف آنفاً.
تطول أحاديثنا عن واقع الشّباب في ظلّ كلِّ شيء، ولكن لم نلتفت مرّةً إلى فئة أخرى من كبار السّن ممن يصطلح المجتمع على تسميتهم بالمسنّين، لاسيّما في ظلِّ الظّروف الرّاهنة.
يقول أحدهم: (ماذا ينقصهم؟! قد عاشوا من العمر أجمله، لم يُعايشوا في زهوة شبابهم ما نحن عليه الآن).
الفكرة أن بعضهم حين يُحاول إقناع آخر بموضوع الزواج والإنجاب فإن أوّل ما يطرحه هو فكرة (أن تُنجب من سيكون لك عوناً على نائبات الدهر، يُعكّز شيبتك ويؤنس وحدتك آخر العمر ووحشته).
لذلك لن تُفلخ الحوالات الماليّة في تعويض مُسنٍّ عن أحفاده وأُنس أولاده من حوله.
لن تُغني الاتصالات اليومية أو ربما الساعيّة ولو كانت (مكالمة فيديو) عن دفء حُضن الجدّين.
لن تُطبّب العقاقير وأفخم المشافي جراح الروح.
يكبرون وتكبر معهم أكياس الدواء، وأسعاره باتت تُحلّق يوماً بعد آخر.
ومن ليس له منهم (معاش تقاعدي) لا مشكلة، فكلتا الحالتين سيّان، إذ لا نفع منه يوماً، قد لا يكفي لزيارات الطبيب.
نعود إلى النقطة الجوهرية الأهم برأيي وهي فكرة (الوحدة).
ماذا يعني أن تعود وحيداً ولك من الأولاد خمسة أو ربما يزيد؟!
ماذا يعني أن تعود وحيداً في منزلٍ أفنيت كلّ عمرك من أجل أن تجعله أكبر وأجمل وأكثر دفئاً!
ما فائدة كراسي المائدة الستة الباقية وأنت هناك تأكل وجبتك مع نفسك!
ما نفع الحكايا التي حفظت وأحفادك يُفضّلون اليوتيوب على قصة (ليلى والذئب)!
المشكلة أن النقاط السابقة لا تنطبق فقط على من هاجر أولاده، بل وعلى من بقوا في البلاد، فكلُّ منهم يُسابق الحياة ليحصل على فرصة جديدة لغدٍ أفضل.
وفي بلادنا لم نستطع استثمار الطاقات الشبابية، أنستطيع استثمار الخبرات والأفكار العتيقة؟!

لذلك هؤلاء لا يعيشون الحياة، وإنما يُمارسون فعل الحياة.

العدد 933 - 28/10/2020