عن تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين

محمد علي شعبان:

مرحلة جديدة ترخي بظلالها على الشعوب والحكومات العربية، وتحمل معها العديد من التحديات، بعد الاتفاق بين الإمارات العربية المتحدة من جهة، والكيان الصهيوني من جهة ثانية. وجاء اتفاق مملكة البحرين مع الكيان الصهيوني بعد اتفاق الإمارات، للسير في طريق التطبيع دون تردّد، يحمل معه خطاباً تضليلياً يقول فيه إن المطلوب من إسرائيل متابعة مشروع السلام وصولاً إلى حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه ودولته المستقلة، كما نصّت عليها مبادرة السلام العربية، وكأن الصهاينة ينتظرون من المسؤولين في الإمارات والبحرين، أن يعبّروا عن رغباتهم فقط، كي ينفّذ الصهاينة ما يريد هؤلاء المسؤولون!! وقد سبقه في ذلك زعيم دولة الإمارات العربية حين قال: إن العلاقة مع الكيان ستجعل حكومة الصهاينة تتوقف عن بناء المستوطنات!

بالتأكيد، لا تستطيع الإمارات العربية المتحدة، ولا مملكة البحرين أن تُقدِم على خطوة من هذا النوع دون التنسيق الكامل مع المملكة العربية السعودية، التي تتلقى أوامرها من واشنطن. إن التزام المملكة العربية السعودية الصمت دون تعليق على الاتفاقات التي وقعت يعني موافقة كاملة على الاستسلام لمطالب الكيان الصهيوني، وإقامة تحالف جديد بقيادته، في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فقد كان تشكيل الناتو العربي خطوة سابقة تبشّر بما يحصل الآن، وتؤكد أن النظام المصري هو عرّاب هذه الصفقة، انطلاقاً من مكاسب ضيقة، باعتبار أن القضية العربية باتت لا تعني القيادات العربية ما لم تحقق لهم مكاسب فئوية ضيقة. لذلك سارع الرئيس السيسي إلى مباركة اتفاقيات التطبيع، متمنياً أن تنضم العديد من الدول العربية إلى قافلة المطبعين، رغم أن قبوله في العديد من الساحات العربية، ليس كداعية للتطبيع بالتأكيد. كانت ومازالت معظم الشعوب العربية تنتظر وتحلم بعودة مصر إلى مكانتها التاريخية، التي عبر عنها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، صاحب المشروع العروبي اليساري، الذي ارتبطت به العديد من الشعوب العربية، لا أن تتحول مصر إلى عرابة تطبيع، بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية.

لن تنسى الشعوب العربية وقوف السعودية ومن معها من دول وممالك الرجعية العربية في مواجهة عبد الناصر، عندما استنجدت بحلفائها وأصدقائها الصهاينة، والبريطانيين، والفرنسيين، من أجل القيام بالعدوان الثلاثي على مصر، خوفاً من انتصار عبد الناصر في توحيد القسم الأكبر من الدول العربية وبناء العالم العربي على أسس الوحدة والحرية والاشتراكية. إن إسراع السعودية في طلب النجدة من الدول الاستعمارية لم يكن خوفاً على مصالح الأسرة الحاكمة الخاصة فقط، التي كانت قد تحول المملكة إلى نظام جمهوري أسوة بمصر أو اليمن أو العراق أو أيّ بلد آخر. إن خوف السعودية من تشكيل قوة عربية بقيادة مصر مع سورية والعراق في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ليس تهديداً للمملكة فقط، بل هو أيضاً تهديد للكيان الصهيوني في المقام الأول، وللدول الاستعمارية التي شاركت في العدوان على مصر في المقام الثاني؛ ذلك أن جميع القوى التي تتطلع إلى مصالح أو مشاريع خاصة لها في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وفي شمال إفريقيا تمانع وترفض السماح لمصر أن تتحول إلى قوة فاعلة في الإقليم، كي لا تمانع مشاريعها في الإقليم. وتمنع مصر من التقدم بأيّ مشروع توحيد مع أي قوة أخرى، وخاصة سورية، والعراق. فمن يعتقد أن استجابة الدول الاستعمارية لنداء السعودية آنذاك بالقيام بالعدوان الثلاثي على مصر كانت حباً بالنظام السعودي، وحرصاً عليه، فهو واهم.

إن جميع الدول الاستعمارية لم تنظر إلى الحكام العرب وخاصة حكام الممالك، أكثر من اعتبارهم أدوات تابعين لها يحققون مصالحها. وفي هذا الإطار جاءت اتفاقية الاستسلام والطاعة التي وقعت بين كل من البحرين والإمارات من جهة، والصهاينة من جهة ثانية، بغية استثمارها من قبل الرئيس الأمريكي وحليفه نتنياهو. والسؤال: ما هي الدواعي لاتفاقية سلام ؟! وهل كانت هاتان الدولتان في عداوة أو في حالة حرب مع الكيان؟! هل هناك أي تهديد من قبل أيٍّ منهما على الكيان؟! إن عمري الزمني يتجاوز عمر مملكة البحرين ولم أسمع يوماً أن هناك عداوة أو حرباً قامت بين الكيان وأية دويلة من هاتين الدولتين اللتين وقعتا الاستسلام والطاعة! فماذا يريد الصهاينة والأمريكان من إعلان هذا الاتفاق في هذا الوقت بالتحديد؟ 

لقد جاء هذا الاتفاق لتحقيق عدة مكاسب أهمها:

 1-استثمار انتخابي للرئيس ترامب.

2-إنشاء قواعد عسكرية صهيونية في منطقة الخليج تشكل تهديداً مباشراً للجمهورية الإسلامية في إيران.

3-العمل على تعميق الصراع الإسلامي، بين الشيعة والسنة، واستثماره من قبل الصهاينة.

4-جعل منطقة الخليج منطقة حرب بغية توريد الأسلحة والذخائر، وسرقة ثرواتها النفطية.

5-الإعلان الواضح والصريح بتشكيل الناتو الصهيوعربي بقيادة الصهاينة، وهو يهدف إلى شق الصف العربي من جهة، وخلق صراعات جديدة بين الدول العربية من جهة ثانية.

6-محاولة الضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجعلها في مرامي نيران القواعد الأمريكية والصهيونية المنتشرة في تلك المناطق بعد الاتفاقيات الجديدة.

إن جميع هذه المحاولات من قبل الإدارة الأمريكية وحلفائها في منطقة الخليج تهدف إلى إشغال القوى والدول المهتمة والداعمة لقضية الشعب الفلسطيني، بحروب وتهديدات جديدة تفسح المجال للصهاينة بالمزيد من التضييق والحصار على الشعب الفلسطيني، بغية إجباره على تقديم تنازلات جديدة بعد أن أفشل صفقة القرن.

إن حالة القلق والخوف التي يعيشها الصهاينة، بعد تنامي قدرات المقاومة اللبنانية، والمقاومة الفلسطينية، وانتصارهما في العديد من الجبهات، والتطور اللافت للجمهورية الإسلامية الإيرانية، جعلت قادة الصهاينة يفكرون جدياً بنقل الاشتباكات بعيداً عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، والقيام بهجمات من الأراضي الخليجية، على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تعتبر المصدر الرئيسي في دعم فصائل المقاومة الفلسطينية، والداعم الرئيسي للمقاومة الإسلامية في لبنان.

لهذه الأسباب مجتمعة نلاحظ أن الإدارة الأمريكية، ومن يتحالف معها من الصهاينة العرب، يعتبرون أن المصدر الوحيد للخطر على المنطقة هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن يتحالف معها، باعتبارها الداعم الأساسي لفصائل المقاومة التي تهدّد أمن الكيان الصهيوني، الذي لا يمكن تحقيقه ما دام حزب الله موجوداً في لبنان على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، والفصائل الفلسطينية في الداخل، وتتلقى الدعم والمساندة من إيران. لذلك تعمل كل القوى المرتبطة بالمحور الصهيوأمريكي على شيطنة حزب الله، ووضعه على قوائم الإرهاب، والضغط على إيران من جميع الاتجاهات، بغية الوصول إلى تفاهمات جديدة معها، ومحاولة احتوائها بما يخفف من قلق الصهاينة وخوفهم، بعد تنامي قدرة المقاومة في لبنان وفلسطين المحتلة.

العدد 933 - 28/10/2020