ثروات مهدورة

الدكتور سنان علي ديب:

من المؤكد أننا لن نتكلم عما فقدناه من طاقات بشرية من كوادر وكفاءات اغتنت وتنعمت بها الدول الأخرى، أو حُيّدت فتساوت بالعطاء مع الأميين أو حملة الشهادات الدنيا، ولكن اليوم سيكون حديثنا عن ثروات أخرى طالما تغنينا بها وحققنا الأمن الغذائي، وأصبح ضرب هذا الأمن من أهم خطط الأعداء بالخارج والداخل، ولن نتكلم عن الخطط الزراعية المحكمة والتي قلصت مخزوننا من القمح وخفضت إنتاجنا من القطن وأعدمت الشوندر السكري وأفلست من يزرع الحمضيات رغم أننا أنفقنا مليارات في دعم لوجستي ودعم حقيقي ودور فاعل للجمعيات الفلاحية والاتحادات ومسؤولية الحكومة عن تأمين الأدوات اللازمة وتطور في إنتاج البذار، فأصبح الدعم وهماً وأصبحت قلة تتمتع باحتكار المواد وتتحكم بأسعارها، قلة تحاول عرقلة أي تدخل حكومي لتأمين المواد أو لتقديم دعم حقيقي حتى تتحكم بفوائد المصارف. ما سنتكلم عنه هو ثروة أخرى أمنت وأفاضت بالغذاء من لحوم بقر وغنم وماعز ودجاج، ونحن نعرف ما حصل مع سعر الدجاج والبيض الذي أصبح حلماً وعبئاً على المواطن ومنتجيه، وكلٌّ يلقي اللوم على الآخر حتى جاء تصريح مسؤول هدّد المربّين بتحديد الأسعار إن لم يخفضوها، والسبب حسب ما يقولون سعر العلف المحتكر من قلة وارتفاع سعر الصرف الفجائي وتثبيته بسعر فقط للقول إننا ثبتناه، ومتناسين أن العلف كان مخزّناً، وأن هناك معامل محلية للعلف، ولكنها تبرمج حسب رغبة القلة. وكذلك الوضع بالنسبة لباقي الأنواع: أغنام طالما طلب المربون تسهيل تنقلها من المناطق الشرقية من دون رسوم وجمركة لأن تكاليفها مرتفعة والمراعي متوفرة ولكن بلا أي جواب، حتى فاجأنا مرض يصيب قطيع الأبقار، واليوم خابرنا صديق يناجي بانخفاض كبير للأسعار سيصيب بخسائر أكثر المربين، وليس السبب سياسات حكيمة بناءة وإنما رفع سعر النخالة والعلف والشعير الذي فاض إنتاجه في المواسم السابقة وامتنعت الحكومة عن شراء قسم كبير، فهُرِّب للدول المجاورة أسوة بغيره من المنتجات، ووقع المربي في حيرة وحسرة ووقع المواطن في استمرار الحرمان وضُرب الأمن الغذائي ومرتكزاته التي كلفت الدولة الأموال والجهود والخبرات والتحديات للوصول إليه، وأصبح المستقبل مجهولاً لأننا نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً، وأمام أصوات المعاناة قرأنا بعض الأخبار عن جهود الوزير الجديد لاستقبال الخبرات.

هذا الوزير كان له باع طويل في عرض مشاكل الزراعة وفق نهج علمي رقمي عبر منبر جمعية العلوم الاقتصادية ونتمنى الاستمرار.

حتى عندما يمارس أحد المسؤولين مهامه التي هي أقل واجب أصبح الإعلام يتغنى، وإن دل هذا على شيء فيدل على الجفاف والتصحر لدى المواطنين وفقدان الثقة بين المواطن والمسؤول، فأزمة تتبعها أزمة ولا يمكن تحميلها كلها على التدمير والحصار والعقوبات ولكن جزءاً كبيراً منها مبرمج وحصيلة الإفساد واللا انتماء لوطن صمد وصبر وناضل وكافح ولمواطن أصبح الضباب هو ما يغطي طرقه لتأمين أقل مستوى من المعيشة في ظل فجوة كبيرة بين سوية الدخل ومتطلبات المعيشة.

ثروة مستقبلية تهدر وسط تلاحم عدواني لقتل أي سبل للحياة وفرض احتلال دائم وتقسيم الجغرافيا وسط بكائنا وعدم استسلامنا.

خطوة جيدة اتخذها الوزير بتجاوز الخطط المحددة للقمح، فهل يستمر بتأمين القرارات اللازمة لحماية الثروة الحيوانية ومنع تهريبها وقتلها وإعادتها؟

هل يمكن ان نقوض احتكار قلّة وتحكّمها بمصير مئات الآلاف؟

جميل أن نستمع لمن يملك أفكاراً، ولكن الأجمل أن نحل مشاكل بسيطة ظاهرة والكل يعرفها.

والحلول موجودة لكنها بحاجة إلى قرار ومتابعة ومحاسبة.

فقدان الثروات هو تبطيء للعودة السليمة للبلد ولمواطنيه وتقوية الجبهات الداخلية وانتصار لأدوات الإرهاب الاقتصادي التي تتجدد باستمرار ليستمر سعير النار.

العدد 931 - 14/10/2020