طابور اللانهاية

ريم الحسين:

الدارج في الإعلام وفي الأحاديث العامة مصطلح (الطابور الخامس)، كما جرت العادة، عند ذكر فئة تتغلغل داخل فئة أخرى، وفي الظاهر تمثلها بكل إيديولوجياتها ومعتقداتها، وفي الباطن تحمل العداء لها، مهمتها التخريب مهما استطاعت وإلى أقصى حدّ بسرّية تامة، لكن الحكومة السورية أوجدت آلاف الطوابير الأخرى، وأضافت للتاريخ أيضاً أثراً عظيماً بتحويل حياة الإنسان السوري إلى جحيم الطوابير، فأصبح مضرب المثل وقريباً سيدخل موسوعة غينيس لأطول الطوابير في العالم من حيث الاستمرارية الزمنية، فلم تعد الطوابير أحداثاً طارئة وإنما أسلوب حياة من حيث العدد والجهد والوقت الضائع والتعب المرافق.

ستولد في طابور هنا وستقضي حياتك من طابور إلى طابور، تلاحقك لعنة سيزيف إلى أنفاسك الأخيرة إلا في حالتين إن نجحت في الهروب من هذا المعتقل الكبير، أو كنت تملك المال الوفير، فالندرة ليست مقترنة بالحرب والحصار، وإنما بتوفر المال بغض النظر عن مشروعية كسبه ومصدره.

(جوّع كلبك بيلحقك!) هذه إحدى نظريات المؤامرة لتفسير الوضع المزري المستمر، بينما ترى نظريات أخرى وجود أهداف في التقسيم والتطبيع، لا بدّ أن يصبح هاجسك رغيف خبزك حتى تصبح خارج دائرة الصراع ونتائجه مهما كانت، على مبدأ: أعطوني خبزي كفاف يومي وخذوا ما شئتم من مواقف وتقاسموا السياط والتراب والماء والهواء! بينما مازال البعض، وهم قلة قليلة، يردّدون ما تتذرّع به الحكومات المتعاقبة عن الحرب والحصار، ولكن هذه الترهات أصبحت للأكثرية نكتة ومدعاة للسخرية (على هامان يا فرعون؟!).

ربما يستحق الإنسان السوري كرامة يجدها في حياة أخرى أو مكان آخر، وربما سيعيش آلاف الحيوات والابتعاد إلى أقصى المجرات ليمحو الذل والقهر والعار الذي لحق به في هذه الحياة، فمن فساد مرعب إلى ظلم مهلك، ومن فقر إلى قهر، ومن لعنة إلى كارثة أعظم، ومن طابور إلى طابور أطول وأفظع!

في عداد الموتى أشباه أحياء بانتظار الموت المشتهى الأخير، فقد تبيّن أنه الخلاص الوحيد.

ومن الجدير بالذكر أن الطابور الخامس (Fifth column) هو تعبير نشأ أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام 1936 م، واستمرت ثلاث سنوات، وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال الوطني إميليو مولا، أحد قادة القوات الثائرة الزاحفة على مدريد، وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار وقال: إن هناك طابوراً خامساً يعمل مع الثوار من داخل مدريد، ويقصد به مؤيدي الثورة من الشعب.

وترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحروب، واتسع ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية التي انتشرت نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي.

ويشمل الطابور الخامس مسؤولين وصحفيين وبعض من يزعمون أنهم مثقفون.

العدد 931 - 14/10/2020