بلدي صارت منفى

غزل حسين المصطفى :

(فواكه! يا الله هالكلمة شو قديمة وبتضحّك! إذا كفّانا الأكل أو الوجبة اليوميّة الوحيدة، وما قمنا جوعانين، لأن الكمية غير كافية لسبع أشخاص، بيكون كتّر خير الله!).
هذه الجملة القاتلة صفعت مسمعي، لست أملك من اللّغة ما يُعبّر عمّا اختلج في نفسي حينذاك.
وقُبيل الدخول إلى القاعات الامتحانيّة، هناك على المقاعد الخشبيّة في كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بدمشق، قد دوّت هذه الجملة، لا أدري إن صحَّ تعبيري حين وصفتها بـ(جملة)، أليس الأجدر أن نقول إنها صرخة، إنها انفجار وجرح مفتوح للهواء!
أوّل ما دار في خلدي هو أني أتدلل على والدي في اختيار صنف الفاكهة التي أحب، وتعقيب أخي الدائم على ذلك مُمازحاً: (تفاح موشّح أو أصفر، حلو أو حامض، نخترع شي جديد؟!).
ثم انتشلتني من دوامة الملامة وجلد الذات صورٌ ذهنيّة لآلاف المؤتمرات واحتفالات التّدشين، إذ الطّاولات عامرة بكلّ ما لذّ وطاب!
صورٌ لأفخم أنواع السيارات تنتظر تحت شرفة مسؤول ما.
صورٌ لمناسبات تُقام على الطريقة الملكية (حسب زعمهم).
صورٌ تجتمع فيها أشهى الأطباق تُنشر على مواقع التواصل بغرض الفخر والاستعراض.
غادرت المكان ظنّاً مني أنني سأنسى ما سمعت وتموت في داخلي تلك النار المُستعرة، وما كدتُ أخطُو خطوة واحدة حتى سمعت صوت المقعد يصرخ، ناداني وقال: أيّتها الفتاة، قد سمعت ما سمعتِ، اقلعيني، اقتليني، ما عدت أملك صبراً وقوةً لأسمع المزيد، انظري إليّ قد فنيتْ أجزائي!
ركضتُ بعيداً عنه، لا أدري كيف استجمعت قوتي في حلّ الأسئلة وخرجت مسرعةً نحو منزلي، كل ما كنت أريده هو قتل الأصوات التي تتناقش وتتعارك في قفصي الصدري وجمجمتي.
وفي الطريق كان السائق يشكو أنه قد قضى ما يزيد على ٢٤ ساعة واقفاً في طابور الكازيّة حتى استطاع أن يأخذ حصّته من المازوت، وعاد إلى منزله منتصراً حتّى يغتسل قبل أن يستأنف عمله، ففاجأته أسطوانة الغاز وربطة الخبز أنهما قد هجرتا منزله وعليه الخوض في رحلة بحث وتنقيب أخرى، عند عتبة المنزل فنيت بهجة الظفر بـ(٢٠ لتر مازوت).
أخرجت سماعاتي وفتحت الإذاعة هرباً إلى صوت آخر غير الألم، فباغتني المذيع على إذاعة محلية وهو ينقل تصريحاً لمسؤول ما حول أزمة الخبز، فيبررها بأن المواطن يعتمد كلياً على رغيف الخبز في قوته.
ربّااااه! كيف يقول ذلك وبكلّ ثقة، وبرودة قلب!!؟
وصلتُ إلى وجهتي فدفنت رأسي على الوسادة علّه يكف عن السؤال: أين أهرب بنفسي؟! أين يمكن أن أبتعد لتكفّ الظروف في هذا البلد عن تشويه صورة (الوطن) في وجداني؟!
كيف يمكن أن أعيش من غير تفكير، من غير جلدٍ للذات!؟
كيف يمكن أن يقتنع عقلي بأن كلّ مسؤول في بلدي يعيش مقتدياً بجملة (ربي إنّي أسألك نفسي) وينأى بنفسه!؟
كيف يمكن لمسؤول ما أن يتّهم المواطن بخلق أزمة وهذا المواطن المعثّر يقوم بفعل الحياة لا أكثر!؟
كيف نُطالب بالتّقشّف وبعض المسؤولين قد اعترفوا بأن قوتنا قد صار رغيف خبر! هل نقطعُ الخبز ونقتات على صفحات الجرائد ونتغذى بالصمود!؟
ماذا تعني كلمة تقشّف! أليس الذي نعيشه يُحقّق الشروط المنصوص عليها:
_لا للحمة بكلّ أنواعها
_لا للفاكهة
_لا للتنويع بأصناف الطعام
_لا للوجبات السريعة وأصناف المشاوي
_لا للتدفئة
_لا للتنزّه
_لا للحفلات
_لا لشراء إلاّ الضروري الضروري الضروري من الملابس
لا ولا ولا… وماذا بعد؟
قد يسهل على أحدهم أن يوجه رصاصة إلى صدر شاب بسهولةٍ أكبر من أن يسأله عن فكرة الزواج أو فرصة العمل التي تناسب خبرته!!
ظلّت المحاكمة العقلية تستعرض المواقف وترمي بأسئلتها مُستنكرة ممتعضة حتّى حلّ المساء،
وكانت الطامة الكبرى، ما كان ينقصني أن يستفيق تفكيري لجولةٍ أخرى من الصراع، قد ذبلت روحي.
في هذه البلاد يموت فيك شيء كلّ لحظة، تستميت لتعيده إلى الحياة، لكن دون نفع، حتى شعلة الانتماء، وحب الوطن قد تستخدمها في أحد المواقف أو ربما هناك على طابورٍ ما لتشعل سيجارتك.

عتبت كثيراً، في يومٍ مضى، على قديستي (فيروز) حين قالت: (بلدي صار منفى)، ولكن وبكل أسف وألم سأعترف اليوم إنها كانت على صواب.
قد يصير الوطن (زوجة أب) ظالمة!
قد يصير الوطن (منفى)!
قد يصير الوطن (سكيناً ومشنقة)!
قد يصير الوطن سجناً.. كابوساً..
ولكن كلّ ذلك بمشرط بعض المسؤولين وسكّينه، يُقبّح وجه البلد، ويقتل ابن البلد! لا تحتجّ بالظروف، فأساساً مكانك وعملك وقسمك قد كان لبناء الوطن ولخدمة الوطن ومواطنيه.
لا يسعني إلا أن أقول: بلدي (بلد الطوابير) صار منفى!

العدد 933 - 28/10/2020