الأميّة في عصر الثورة الرقميّة.. واقعٌ وتحدٍّ

يارا بالي:

تتسارع اليوم عجلة الحياة، فما كان في الأمس مستحيلاً أصبح في وقتنا هذا أمراً مفروضاً، وواقعاً لم تعد البشرية تستطيع الاستغناء عنه، فقد غدت التقنية جزءاً لا يتجزأ من الكيان البشري، وغدت الثورة الرقمية والحداثة أساس العمل والإنتاج الإنساني ولاسيما في الدول المتطوّرة والنّامية، لهذا أصبح واجباً على الفرد أن يطور أدواته ويحارب جهله، لينفتح على العالم ويواكب مسيرة الحضارة، فيساهم في البناء التنموي لمجتمعه وبلده.

من هنا ومن أهمية العلم في بناء الأمم، جعلت اليونسكو يوم الثامن من أيلول من كل عام يوماً للاحتفال بمحو الأميّة، بهدف تسليط الضوء على أهمية التعليم واكتساب المعارف في حياة الأفراد والمجتمعات قاطبة، فقد ورد في إحصائيات اليونيسكو أن 17 % من سكان العالم يعانون الأمية، وثلث هذه النسبة من النساء، وأوضحت اليونسكو في التقرير أن الأطفال تحت عمر الخامسة، الذين لم يلتحقوا بالمدارس بلغوا 781 مليون طفل، بينهم 64 % من الإناث، كما أضافت المنظمة أن للحروب والصراعات الدور الأعظم في ازدياد معدل أميّة الأطفال بنسبة 42 % هذه النسب الكبيرة تعكس اليوم واقعاً خطيراً على مستقبل الشعوب، ولاسيما فيما يتعلق بمحو أمية الطفل، فالأطفال عماد الأمم ومن تنشئتهم السليمة تُبنى الثقافات المتحضرة.

تأتي أهمية محو الأمية اليوم من دورها الفاعل في محاربة الفقر، وإتاحة الفرص الحقيقية للعمل والإنتاج، وتنمية المهارات والقدرات، إذ تعتبر حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وحجر أساس في رحلة التعليم، كما تُساهم في الحدِّ من عمالة الأطفال واستغلالهم، إضافة إلى حالة الوعي الّتي تفرضها، بالتالي الحدّ من النمو السكاني، وإيجاد بيئة مناسبة لتنظيم الأسرة، لهذه الأسباب جميعاً وجب تضافر الجهود، وإيجاد الحلول السريعة الّتي تساهم في الحد من زيادة الأميّة، إذ يأتي موضوع التوسّع في بناء المدارس كأولى الحلول المتاحة، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية بأهمية محو الأميّة لجميع مكونات المجتمع، ولاسيما عن طريق التلفاز لأنه من أكثر الوسائل المنتشرة في كل بيت، كما أن للجهات الحكومية دوراً هاماً في الحدّ من انتشار هذه الظاهرة، وذلك عن طريق فرض القوانين الّتي تلزم الأهل بتعليم أطفالهم، وخاصة في المرحلة الأساسية.

لم تقتصر الأميّة اليوم على القراءة والكتابة بل تجاوزتها لتصل إلى شتّى مجالات الحياة، ليغدو الفرد مطالباً بمحو أميّته ومعرفة حقوقه وواجباته، بالتالي حماية نفسه.. وهكذا حتى تتوسّع هذه الدائرة وتشمل المجتمع ككل، ونحصل في نهاية الأمر على مجتمع محصّن ومثقف، وعلى قدرٍ عالٍ من التوازن، والمسؤولية، فبالعلم تسود الدول، إذ لا تقدّم، ولا صناعة، ولا استثمار ثروات، ولا تصدير دون علم، وبقدر استثمار العقول تتحقق الإنجازات، وتُخلّد أسماء الدول في التاريخ، والإحصائيات.

العدد 929 - 30/09/2020