مشروب السهر وجلسات الهمس والبوح

وعد حسون نصر:

ليست من المشروبات الروحية ولا الكافيين، بل إنها المتة المشروب الدافئ في الصيف رغم الحرارة المرغوبة من الجميع الطفل والكبير دون استثناء، مشروب الحب في ليالي الشتاء والصباح البارد، للتجمّع حولها وسرد الأحاديث مع لفافة اللبنة صباحاً قبل الذهاب للعمل أو المدرسة، مع قيلولة الظهيرة بجانب تشكيلة من الأكلات الخفيفة (النقرشات) وباقة من الضحكات ترافقها في جلسة تجمع الأهل والأصحاب سواء في المنزل أو العمل. ومع سهرات الليل والنرجيلة والهمس وأغنيات العشق على الشرفات تكون المتة هي المشروب الحاضر الدافئ السلس تجمع الجميع حولها. بعد كل سفر شّاق نقول كم لدينا الرغبة في شرب كأس من المتة، حتى بعد العودة من فرح أو ترح يكون مطلب الجميع الأول كأساً من المتة ونقولها بمتعة ورغبة جامحة. نعم، عادة رافقت المجتمع ولم تقتصر على فئة أو شريحة مُعيّنة كأنها المشروب المُتّفق عليه من الجميع وشعار البلد ومفتاح الألفة فيه. باتت الضيافة الأساسية للزائر، والسلعة الأولى في قائمة المشتريات، البعض ينعتها أنها لا طعم لها ولا متعة، ورغم هذا النعت تراها الحاضر الأول على طاولة مشروباته، والبعض الآخر يقول عنها إنها الإدمان بحدّ ذاته وكأنها السلوى في كل الأوقات له، باتت من السلع الأساسية ضمن قائمة المصروفات ومهما بلغ سعرها لا يمكن أن يخطو المواطن الخطوة الجريئة بمقاطعتها لأنه يعتبرها (الأفيون الساري بدمه) ربما يرى البعض هذا المشروب لا ضرر له وبالتالي لا نفع منه أيضاً، لكن رغم هذا فقد عكس عادات قد تكون سيئة نوعاً ما على المجتمع من خلال الجلوس لفترات طويلة حولها والثرثرة التي يفرضها الجوّ المرافق لها، حتى أن النسوة يجلب البعض منهن أحاديث غريبة ومعلومات غير دقيقة، وأحياناً يخترعن نفاقاً يمسُّ بالسوء بالناس، المهم أن تبقى جمعتهن عامرة حول هذا المشروب المُخدّر للعقول بسلاسة طعمه، باتت تشغل العديد من الناس عن أعمالهم، والسبب أننا نجلس ساعات نشربها أحياناً دون أن نُنجز عملاً سوى التصفحّ على الجوال، حتى الطعام ننسى تناوله أثناء جلوسنا الطويل لشرب المتة فقط نتناول أطعمة مُضرّة مُرافقة لهذا المشروب السحري. نعم، عكس هذا المشروب عادات سيئة نوعاً ما على مجتمعنا فبات إدماناً من غير كحول ولا مُخدّر، أصبح سلعة أهم من خبز الطعام والطبخ عند البعض، ويمكن أن يكون من المشروبات التي تُساهم في نشر بعض الأمراض المعدية مثل (الإنفلونزا والرشح والسعال) نتيجة تناوله بكأس واحدة ومصّاصة واحدة مشتركة مع أكثر من شخص، لذلك من وجهة نظر شخصية نوعاً ما بتُّ أرى في هذا المشروب السحري إدماناً لعادات سيئة، كنشر الأقاويل والظنون وهدر وقت طويل حول طبق دائري يحتوي المتة، لذلك علينا أن نُخفّف من هدر الوقت الضائع مع كأس المتة وهذا الجانب السيئ لهذا الدواء السحر المحبوب من قبل الجميع، أمّا إذا نظرنا بعين الإيجاب له فيمكن أن نقول إنه أوفر ضيافة يمكن أن يقدّمها الجميع تجلس ربما ساعة مع ضيفك لا تضع غيرها على الطاولة، طابعها الحميمي يُعطي جوّاً من الألفة والمحبّة، تأتي الأحاديث الدافئة تلقائياً عندما تجمعنا المتة نُعيد الذكريات حولها، نسترجع ضحكات الطفولة، نتجاوز الخصام إن كان موجوداً، لها طابع خاص، كأنها وجدت لترسم الضحكة وتبعث العتب بالحب والغضب، كأنها ترياق الروح وخاصةً بعد تعب، بعد الركود، بعد تنظيف المنزل والقيلولة، بعد العودة من العمل، بعد الغداء والجلوس مع العائلة والأطفال لتحضير واجب المدرسة، البعض يعتبرها دواء له لوجع المعدة أو حتى للرشح ونزلات البرد، وكأنه يقول لذاته ولمن حوله الشفاء بهذا الشراب السحري، والبعض يسترجع الحب ليلاً مع أغنية رومانسية وكأس من المتة، وأنا أراها مزيجاً من كل هذه العادات الطيبة، السيئة، الضارّة، النافعة، فهي تحمل طابعاً معيّناً لا يمكن وصفه، هي الشراب الساحر الخفيف على الروح، يجمع الحب والكره، النميمة والصمت، والثرثرة والرغاء، وأحياناً يحلُّ المشاكل وتارة يخلقها، حقاً إنها مشروب سحري اخترعه مجتمعي وأطلق عليه: المتة!

بالنهاية هي ترياق الروح، في نظر الأغلبية، ورفيق اللحظات كلّها.  

العدد 928 - 23/09/2020