الروسيّ القويّ.. هل من منافس؟

ريم الحسين:

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الثلاثاء ١١ آب ٢٠٢٠ إنجازاً عظيماً للبشرية، بتسجيل أول لقاح ضد فيروس كورونا في العالم في المختبرات الروسية، وأن إحدى بناته حصلت عليه.

وأضاف بوتين إنه طلب من وزير الصحة ميخائيل موراشكو تقديم معلومات مفصلة حول اللقاح، مشيراً إلى أنه يعلم أن اللقاح (يعمل بشكل فعال نوعاً ما، ويشكل مناعة مستقرة)، وشدد على أنه (اجتاز جميع الاختبارات اللازمة).

وقد أثار الإعلان جدلاً كبيراً في الأوساط الدولية بين مؤيد وشاكر للإنجاز الروسي، ومشكّك في فعاليته، فقد تعرّض لموجة انتقادات واسعة من عدة دول على رأسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية، بحجة أنه لم يجتز كل المراحل السريرية اللازمة لاعتماده وفقاً للمعايير الدولية لقاحاً رسمياً لمرض كوفيد-19، وفقاً لتحذيرات منظمة الصحة العالمية.

لكن معظم الانتقادات كانت تأخذ على ما يبدو جانباً سياسياً أكثر منه خوفاً على الصحة العامة نتيجة التفوق الروسي والمنافسة الدولية، ذلك أن معظم المختبرات الأمريكية والغربية تعمل جاهدة لإيجاد لقاح لهذا الوباء الذي فتك بالبشرية، فكيف ستتحمل وزر إنجاز يحسب للروس في هذا المجال؟

ظاهرياً تبدو الشكوك والانتقادات والتحليلات من فعالية هذا اللقاح هي الخوف على الصحة العامة وعدم الفعالية، لكن باطنياً ومن الواضح والجلي أنها جزء من الحرب الظاهرة والتي لم تعد خفية في كل المجالات بين المحاور المعروفة عالمياً، ذلك أن عاصفة الانتقادات خرجت للعلن بشكل مثير قبل معرفة فعالية اللقاح وقبل إعطائه فرصة لإثبات جدارته.

وأفضل ما يوضح هذه النقطة هو تحليل على موقع (دويتشه فيله) الذي يعتبر أن خوف المحتكرين من المنافسة هو السبب الرئيسي لحملة الانتقادات التي طالت الإعلان، وتعد الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وفرنسا بمراكز أبحاثها وشركاتها المتخصصة والأخرى العابرة للقارات، هي الأفضل في صناعة الأدوية ومكوناتها ومنح تراخيصها عبر العالم. وقد احتكرت شركاتها تطوير أهم اللقاحات ومكوناتها وصناعتها على مدى عقود. وهو الأمر الذي ضمن لها الأرباح الطائلة في سوق الأدوية العالمية التي تزيد مبيعاته السنوية على 1.2 تريليون دولار. على ضوء ذلك فإن المخاوف الغربية من الميزات التنافسية واقعية في حال نجاح روسيا أو دول أخرى خارج منظومة الاحتكار الغربية في إيجاد لقاح لكورونا، لأن المنتج الروسي أرخص من نظيره الغربي. فمثل هذا النجاح لن يدفع فقط الدول الفقيرة ومن ضمنها معظم الدول العربية، بل أيضاً الكثير من الدول المتوسطة والغنية لشرائه. ونخص بالذكر منها الدول التي لديها تجربة طويلة بشراء منتجات ومواد أولية روسية بأسعار تفضيلية ومناسبة كالصين وإيران وكوبا وفنزويلا والهند وتركيا. ومن شأن ذلك أن يفقد الشركات العابرة للقارات وهي معظمها غربية أسواقاً مهمة لمبيعاتها. ويمكن لنا تقدير حجم خسائرها بمليارات الدولارات، إذا علمنا أن بعضها خطط لبيع اللقاح الواحد من مضاد كورونا بنحو 100 دولار. بالمقابل فإن دولاً عديدة كالمكسيك والهند تسعى لتوفيره لمواطنيها بنحو 4 دولارات أو أقل من ذلك.

وقد أعلن وزير الصحة الروسي ميخائيل موراشكو أن اللقاح أثبت فعاليته وسيبدأ إنتاجه واستخدامه في معالجة المصابين بالوباء قريباً، وذلك وفقاً لموقع (روسيا اليوم). وقال إن (الزملاء الأجانب الذين يشعرون على الأرجح بالمنافسة والتفوق التنافسي للعقار الروسي، يحاولون إبداء مواقف لا أساس لها إطلاقاً، بحسب رأينا. لكن اللقاح الروسي هو الحل الذي يستند إلى المعارف والمعطيات السريرية المحددة).

وجرى إطلاق موقع إلكتروني خاص للقاح الروسي الجديد، من أجل نشر المعلومات التفصيلية والجديدة بشأنه، و(من أجل مواجهة حملة التضليل الإعلامي التي انطلقت في وسائل الإعلام الدولية ضد اللقاح)، وفقاً للموقع.

وقد أطلق على اللقاح اسم (سبوتنيك في) (Sputnik V) في إشارة إلى التفوق الروسي عندما أطلق الاتحاد السوفيتي قمره الصناعي إلى الفضاء في 1957.

روسيا تنطلق من جديد إلى ساحة القوة العالمية، وهذا إنجازٌ تاريخي يضاف إلى رصيدها في مجال العلم والبحث والابتكار.

العدد 938 - 02/12/2020