ماذا كنتم تتوقعون من مشيخات صاحبة الجلالة؟

  إبراهيم الأمين:

عندما يغيب عنصر المفاجأة يكون ردّ الفعل بارداً جداً. هذا الانطباع هو السائد إثر إشهار العدو الاسرائيلي وحكام أبو ظبي علاقتهما القديمة إلى العلن، في سياق تشريع الكيان العنصري. سبب غياب المفاجأة أن العلاقات الفعلية بين حكام أبو ظبي والعدو تعود إلى سنوات طويلة. فقد عمل البريطانيون، قبل الأمريكيين، على فتح القنوات بين الجانبين منذ خمسين سنة على الأقل. وخلال فترة الانسحاب البريطاني من الخليج الفارسي (1968 – 1972)، كان هاجس المشيخات ليس فقط محاولة إقناع بريطانيا بعدم سحب قواتها من الخليج، والاستعداد لدفع كلفة الاحتلال كاملة وزيادة التعاون مع لندن، بل أيضاً بدء علاقات جديدة مع أمريكا، الدولة التي يجد الزائرون من العالم العربي فيها لافتة تقول إن الطريق إلى واشنطن يجب أن تمر عبر تل أبيب.

وقد زادت هواجس حكام هذه المشيخات ومخاوفهم مع القلق من التوسع الإيراني، ومن سعي آل سعود لحكم كل الجزيرة العربية، ومن صعود نجم عدو لدود اسمه جمال عبد الناصر. والخشية الأكبر كانت من التحركات الداخلية، عندما تعزّز التيار القومي العربي وتمدّد نفوذ الجبهات الاشتراكية واليسارية في جنوب الجزيرة ووصل إلى انتفاضة شعبية مسلحة في عُمان، وإلى اضطرابات وعمليات اغتيال ونشاط سياسي في الإمارات والبحرين والكويت، وإلى بناء دولة حكم شيوعي في جنوب اليمن. آنذاك، وقد استفادت عواصم المشيخات من خدمات أجهزة الامن الأمريكية والبريطانية والاسرائيلية لمواجهة (الاختراقات المعادية) الآتية من عواصم مثل بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد، في مقابل دفع المتوجبات عليها لحكومات الغرب، ولتمويل كل نشاط أمني ضد خصومها المحليين.

عندما ذهب أنور السادات إلى القدس مستسلماً للعدو الاسرائيلي، كان يعرف تماماً أن له داعمين في مشيخات الجزيرة العربية على اختلافها. ومنذ مطلع الثمانينيات، انتقلت كل دول الخليج إلى لعب دور المموّل للمحافظة على الأنظمة العربية الرسمية، ودعم جبهات التطبيع مع العدو، بما في ذلك التيار اليميني في منظمة التحرير الفلسطينية. وسعت إلى (الحياد) مع أعتى الخصوم، تحت عنوان أنها ليست خصماً لأحد، رافضة تبني خيار المواجهة مع العدو، وأي تعديل في شكل تبعيتها الكاملة للغرب الاستعماري.

وما شهدناه في بيروت، مؤخراً، من ظاهرة محترفي الدونية ومطالبتهم بعودة الاحتلال الفرنسي، هو عملة رائجة في كل دول الجزيرة العربية التي لم تخلُ يوماً من الوجود العسكري الغربي على أنواعه. حصل ذلك قبل غزو العراق للكويت، وقبل الحروب الأمريكية على العراق وسورية، على شكل ادارة كاملة ومطلقة لكل المنظومات العسكرية والأمنية والإدارية في هذه الدول، حيث كل تطور علمي مرهون بوجود (المستشار الأجنبي)، مع ترك القليل من الفولكلور لأبناء المنطقة. هذا ما حدث مع احتفاء بعض العرب بإطلاق (صاروخ إماراتي) إلى الفضاء، وهم يعرفون أن مشايخ أبو ظبي دفعوا أموالاً طائلة مقابل طبع علمهم على المركبة الفضائية لا أكثر ولا أقل.

اليوم، يعرف كل قاطني تلك البلاد، من أبنائها إلى المقيمين، أنها بلاد محتلة عن بكرة أبيها. وإذا ما قرر الاستعمار تركها لأسبوع واحد، فستتعطل فيها كل مظاهر الحياة لا مظاهر القوة فقط. والأنكى أن هؤلاء الحكام صاروا يتورطون في التعامل مع الاستعمار وإسرائيل بصورة أكبر، وينفقون من كل الاحتياطي الموجود لديهم، وخلال العامين المقبلين، ستصرف هذه المشيخات أكثر من 450 مليار دولار من الصناديق السيادية. وحتى خلافاتهم في ما بينهم، تجري ترجمتها بالسعي إلى كسب ودّ الأمريكيين والاسرائيليين.

قراصنة الساحل العربي من بحر الخليج أُجبروا، بقوة الاستعمار البريطاني، على التحوّل إلى أطر أكثر تنظيماً قبل أن يجري جمعهم في بلديات على شكل دول، ومن ثم في أطر جغرافية وإدارية أكبر. وفي كل مرة، كان الاستعمار يحفر أسنانه أعمق داخل هذه الارض. وكان المشايخ يزيدون من فعالية تبعيتهم له. خلال العقد الاخير، صار الحديث عن العلاقة مع اسرائيل أمراً عادياً وعاماً ولا خجل فيه. ويوم ذهبت قطر وعمان إلى تطبيع علني مع العدو، لم يكن البلدان يخشيان رد فعل أحد مجاور لهما. قادة قطر وعمان يعرفون تمام المعرفة حجم العلاقات التي تربط حكام بقية مشيخات الجزيرة مع إسرائيل. لكن خشية الدوحة ومسقط الكبيرة من جموح حكام الرياض وأبو ظبي، جعلتهما يتجاوزان حتى الجانب الشكلي، وذهبا إلى أبعد ما يكون في التطبيع المباشر مع العدو. وهو الخطوة التي صارت مع الوقت تستخدم من قبل واشنطن وتل أبيب حجة على السعودية والبحرين والإمارات بدرجة أولى، ومحاولة تمريرها على الكويت أيضاً، رغم أن الاخيرة تشهد وضعاً مختلفاً ومتنوّعاً قد يحول دون تطبيع سريع وقوي مع إسرائيل.

المأساة ليست في ما أعلن عنه، ولن تكون في نوعية التهليل والترحيب من قبل عملاء أمريكا وإسرائيل في بلادنا ومنطقتنا، بل في أن هؤلاء الذين يسعون لرضى الغرب وإسرائيل، يستمرون في تدمير بلاد العرب، من اليمن إلى سورية والعراق وفلسطين وشمال إفريقيا. وهنا، سيتبيّن للجميع أن المعركة الحقيقية ستكون أكثر وضوحاً وأكثر فعالية.

(الأخبار)

العدد 937 - 25/11/2020