هونغ كونغ بعد كورونا.. ماذا بعد؟!

د. صياح عزام:

لقد أصبح الشغل الشاغل لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو العمل على مزيد من الاستفزازات للصين حول عدة قضايا أبرزها: الخلاف حول (البحر الجنوبي)، واتفاق التجارة، وشركة (هواوي)، حتى جاءت جائحة كورونا فدأب ترامب على تسييسها، خاصة بعد أن فشلت إدارته في التصدي لها، ما يشير إلى أن هاتين القوتين العظميين لا تقتربان من الحوار، بل تلوح في الأفق نذر شبح حرب باردة بينهما، في ضوء ما يشهده العالم من انهيارات اقتصادية وخسائر تتراكم يوماً بعد يوم.

وفي الآونة الأخيرة دشن ترامب حلبة صراع جديدة ضد الصين، من خلال التدخل في منطقة هونغ كونغ، ودعم الاتجاه الانفصالي فيها عن الصين، والجدير بالذكر أن هذه المقاطعة الصينية تتمتع بحكم ذاتي منذ استقلالها عن الوصاية البريطانية قبل أربعة وعشرين عاماً، على قاعدة (بلد واحد ونظامان).

فعلى مدى الأشهر الماضية عملت الولايات المتحدة على زعزعة استقرار المقاطعة التي يصل عدد سكانها إلى سبعة ملايين ونصف مليون، وذلك من خلال خلق إضرابات وصدامات فيها، لتكون بمثابة صواعق لتأجيج الصراع، والتشجيع على الانفصال النهائي عن الصين وجعلها بؤرة للتآمر على الصين ورأس حربة في خاصرتها، تستخدمها واشنطن في الوقت الذي تريد لإزعاج بكين وإشغالها عن المضي في طريق النهوض الاقتصادي.

إزاء هذه التدخلات الأمريكية في مقاطعة هونغ كونع عبر دفع واشنطن لعملائها إلى التظاهر والمطالبة بالاستقلال الكامل عن الصين، لجأ البرلمان الصيني مؤخراً إلى تبني تشريع للأمن القومي بهدف التصدي للميول الانفصالية والتدخلات الخارجية والتآمر والإرهاب والعنف في المقاطعة، ومثل هذا التشريع حق مشروع للصين للمحافظة على أمنها القومي.

وجاء هذا التشريع الضروري لأمن الصين ومصالحها، ليكون بمثابة ورقة بيد الولايات المتحدة تستخدمها لزيادة الضغوط على بكين، إلى جانب القضايا الأخرى التي جئنا على ذكرها قبل قليل، والتي تتخذ منها واشنطن ذرائع لتصعيد المواجهة مع الصين، واستمرار كيل الاتهامات الكاذبة لها، لاسيما الاتهام القائل بأن حكومة بكين لم تتعامل بشفافية مع جائحة كورونا. وفي الأيام القليلة الماضية وصلت لهجة التصعيد إلى درجة عالية من الحدة بناء على تصريحات ومواقف غير مسبوقة من وزير الخارجية الأمريكية بومبيو، حين ادّعى أن القانون الصيني أفقد هونغ كونغ استقلالها الذاتي، وأن الرئيس الأمريكي يعتزم اللجوء إلى سلاحه المفضل بفرض عقوبات على مسؤولين صينيين، ما حدا بالسفير الصيني في مجلس الأمن إلى اتهام واشنطن بإثارة المشاكل في العالم وانتهاك التزامها بالقانون الدولي، داعياً إياها إلى التوقف فوراً عن سياسة القوة وممارسة التنمر، تبع ذلك مطالبة الرئيس الصيني لقيادة جيش بلاده بضرورة مواصلة تدريباته وجاهزيته القتالية في ظل تفشي جائحة كورونا حول العالم.

بطبيعة الحال كل هذه المؤشرات وما سبقها لا تبعث على الاطمئنان، وربما سيكون أصحاب الرأي الذين يتحدثون عن صراع أمريكي – صيني عنيف عقب أزمة فيروس كورونا على حق هذه المرة، إذا لم تكف واشنطن عن استفزازاتها للصين التي لم تنقطع وتتواصل بأشكال متعددة، وقد تكون تدخلات الإدارة الأمريكية في الشؤون الداخلية لهونغ كونغ ودعمها وتشجيعها لعملائها هناك، وتحريضهم على التظاهر، وشيطنة إجراءات الدولة الصينية، إضافة إلى سلسلة المواقف الأمريكية الاستفزازية ضد الصين، قد يكون كل ذلك سبباً لانفجار الوضع بين الطرفين، خاصة في ظل وجود رئيس أمريكي متهور لا يجيد الحسابات والتقديرات السليمة، ولا يتقيد بأية ضوابط أو قوانين وأعراف دولية أو معاهدات ومواثيق.

ومما يجدر ذكره أن واشنطن تعتزم إلغاء تأشيرات الطلاب والباحثين الصينيين الذين لهم علاقات بالكليات المرتبطة بجيش التحرير الشعبي الصيني والذين يقدر عددهم بثلاثة آلاف، وقد تعاطفت كل من بريطانيا وكندا وأستراليا مع الولايات المتحدة بإصدار بيان مشترك يدّعون فيه أن التشريع الجديد للأمن في هونغ كونغ يشكل تهديداً للحريات وانتهاكاً للاتفاق الصيني – البريطاني الموقع عام 1984 بشأن الحكم الذاتي في المقاطعة الصينية.

الخلاصة: إن الصين لا ترهبها التهديدات والاستفزازات الأمريكية، وهي على استعداد تام للرد على العقوبات التي يفرضها ترامب وعلى أية مغامرة قد يقدم عليها.

العدد 937 - 25/11/2020