الخبز يدخل حيز التقنين الحكومي .. يوسف لـ (النور): البطاقة الذكية أول خطوة لرفع الدعم عن الخبز

سليمان أمين:

يشكل الخبز المادة الرئيسية لمعيشة الإنسان السوري، ولا يمكن الاستغناء عنه نهائياً، وقد شهدت هذه الصناعة لسنوات طويلة الكثير من التحسينات والتطورات في سنوات ما قبل الحرب، ولكن ما بعد الحرب بدأت صناعة الخبز الحكومي وملفه بالتراجع الشديد من حيث الجودة والوفرة وغيرها من المقومات الأساسية التي تحكم رغيف المواطن السوري، ولم تهدأ السيناريوهات الحكومية تجاه لقمة المواطن لسنوات ومحاولة البحث عن شتى الطرق والحلول لتقليص هذه الصناعة ومحاصرتها وصولاً إلى إدخالها تحت خطة اقتصاد السوق الحر ورفع الدعم عنها، وذلك بذريعة ما تسببه من ضغط على ميزانية الحكومة، حسبما يقول الكثير من مسؤوليها بتتالي السنوات، ومن المعروف للجميع أن رغيف الخبز كان في سنوات ما قبل الحرب خطّاً أحمر، وممنوع الاقتراب منه، ففقد اليوم هذا الخط لونه الأحمر وأصبح أخضر مستباحاً، ولعلّ الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الحكومة منذ فترة وتعمّم اليوم في كل المدن السورية بإدراج رغيف الخبز تحت بطاقة الحكومة الذكية التي أثبتت فشلها ومشاكلها الكثيرة وانعكاساتها السلبية على المجتمع السوري بتطبيقها على سلع أساسية أخرى وتحريرها وإخراجها من الدعم على مراحل. ورأى كثيرون من الخبراء أن قرار توزيع الخبر بالبطاقة الذكية جاء تمهيداً لرفع الدعم نهائياً عن مادة الخبز، لأن سيناريوهات مشابهة حصلت إزاء مواد كانت مدعومة مثل الغاز والبنزين والمازوت، إذ انقطعت تلك المواد ثم توفرت بكميات قليلة مع رفع أسعارها لتصل إلى أغلى مما هي عليه في السوق العالمية، علماً بأن أسعار بعض المواد الغذائية في الأسواق السورية حالياً تفوق ثلاثة أضعاف ما هي عليه في الأسواق العالمية.

وفي حديث خاص لصحيفة (النور) مع الباحث الاقتصادي عمار يوسف، حول آلية توزيع الخبز الحكومي عبر البطاقة الذكية قال: (البطاقة الذكية هي أفشل تجربة مرت في تاريخ سورية لعدة أسباب، فقد طُبّقت في الحصول على الغاز والبنزين وغيرها من المواد الأساسية لمعيشة المواطنين السوريين، ورأينا النتيجة السيئة والوضع ذهب من سيئ إلى أسوأ، أما تطبيقها في حصول المواطن على ربطة الخبز فهو أسوأ ما يمكن أن يحدث، لأن الخبز هو قوت المواطن الأساسي واليومي والذي يحصل عليه بشكل يومي وليس كجرة الغاز وغيرها يحصل عليها بشكل شهري أو أكثر، فماذا يحدث لو حصل عطل أو خلل بالبطاقة الذكية من الأعطال المشهورة والمعروفة، ويبقى المواطن من دون خبز ليوم أو يومين ويمكن لأكثر حتى يتم صيانة العطل، وجميعنا نعلم مدى حساسية الخبز وأهميته للمواطنين وخصوصاً خلال هذه الظروف الصعبة، فهناك الكثير من المواطنين يقتاتون على الخبز فقط).

عودة الازدحام الشديد إلى الأفران بعد آلية تطبيق البطاقة الذكية وخصوصاً في مدينة اللاذقية، فكثير من المواطنين لا يحصلون على ربطة خبز أو محرومون بالأحرى من الحصول على رغيفهم لأنهم لا يحملون بطاقة ذكية وخصوصاً العزابية الذين صودر حقهم بذلك، إذ لا يوجد آليات أو تعاميم واضحة وزعت على الأفران الحكومية وخصوصاً الخاصة المدعومة. وبسؤالنا لأكثر من فرن كانت إجابتهم بأن التموين يمنعهم من بيع أي ربطة خبز دون بطاقة ذكية، وممنوع البيع لغير حاملي البطاقة، وهنا تكمن مشكلة كبيرة بقرارات غير مكتملة، فمن المعلوم أن العزابية ليس لهم حق بالحصول على البطاقة الذكية وهم يشكلون نسبة كبيرة في المجتمع السوري فضلاً عن الكثير من العائلات التي لا تحمل بطاقة ذكية حتى اليوم، إضافة إلى عملية البيع التي ستأخذ وقتاً لتمرير البطاقة على الجهاز، وهذا خلق موجة ازدحام شديدة في معظم الأفران في ظل انتشار كبير وواضح لوباء كورونا نتيجة ضعف الإجراءات الاحترازية وأولها خلق الازدحامات من قبل الحكومة بقراراتها خلال الشهور الأخيرة.

وبسؤال آخر للباحث الاقتصادي عمار يوسف عن الانعكاسات السلبية لاعتماد البطاقة الذكية في الحصول على الخبز وما هو تأثيره على البعد الغذائي الأمني الوطني، وخلقها للازدحام والفوضى صرح قائلاً: (البطاقة الذكية هي عملية إشغال المواطنين عن الحاجات اليومية والأساسية التي يحتاجونها بمشكلة آنية، والتفاعلية المباشرة بشكل يومي أي مشكلة يومية ينشغل فيها المواطن بالحصول على الخبز لتشتيته وإبعاده عن التفكير بالمشاكل الأخرى كالجوع والفقر والحالة الاجتماعية الذي وصل إليها بسبب قرارات الحكومة. وعن تصريحات الحكومة بأن البطاقة سوف تعالج مشكلة بيع وتجارة الخبز من قبل التجار على الأفران وتحويله لعلف، فالمشكلة مازالت قائمة ويمكن مشاهدتها على جميع الأفران وجود أشخاص يبيعون ربطة الخبز بـ 250 ليرة سورية، فمن أين حصلوا على الخبز في حال البيع محصور بالبطاقة الذكية؟ فمن الأجدر بالحكومة أن تقوم بملاحقة التجار وغيرهم ممن يتاجرون بالخبز، فليس من الطبيعي معاقبة المواطنين بتقنين الخبز وقطعه عنهم، وأكبر مثال على ذلك مئات الربطات التي تباع أمام الأفران بشكل يومي وبأسعار مضاعفة).

هل باتت تجارة الرغيف مشروعة؟

أكثر ما يمكن أن يثير تساؤلك هو أن المواطن يحصل على 4 ربطات خبز بشكل يومي عبر البطاقة الذكية، وفي الواقع أغلب المواطنين يحصلون على ربطة أو اثنتين كفاية يومهم وتصلهم رسالة بأنهم حصلوا على 4 ربطات، وهنا تكمن مشكلة كبيرة وواضحة، ذلك أن مخصصات الفرن اليومية تباع على أساس 4 ربطات لكل بطاقة، بينما أغلب المواطنين لا يحصلون على نصف الكمية، فإذا بات لدينا فائض يمكن أن يشكل الثلث أو الربع من المخصصات اليومية، فأين يذهب هذا الفائض؟ هل هي تجارة جديدة للطحين التمويني والخبز وزيادة في الهدر العام؟ سؤال يحتاج للكثير التوضيح؟ فلا يمكننا الاستنتاج سوى ذلك من هذه العملية بأن البطاقة الذكية فتحت باب جديد لتجارة الأفران بلقمة المواطنين وخلقها لفصل آخر من الهدر وتكبد الخسائر الكبيرة في قطاع الخبز.

 هل هي خطوة لرفع الدعم عن الخبز؟؟

وفق ما صرح لنا به الباحث الاقتصادي عمار يوسف: (برأيي الشخصي، تطبيق بيع الخبز عبر البطاقة الذكية هو مرحلة أولى لرفع الدعم بالمرحلة المقبلة، وذلك لتتخلص الحكومة من مسؤوليتها الوحيدة الباقية تجاه المواطنين وهي الخبز، فباقي المواد كالرز والسكر والزيت وغيرها بات يحصلها عليها المواطن بإذلاله على باب المؤسسات الحكومية وهذا واقع لا يمكن إنكاره، وبرأيي قريباً جداً سوف يشهد المواطن إلغاء الدعم عن الخبز أو إضعافه للحدود الدنيا، ويمكن أن ننظر لتجربة البنزين كمثال وماذا حصل تدريجياً).

وبرأي يوسف أن: (الحل هو إبعاد الخبز عن البطاقة الذكية ومعالجة الحلقة الثانية التي تقوم بتجارة الرغيف وتحويله لعلف للحيوانات، وبهذا تتم المحاسبة والعقاب والتخفيف من الهدر وحل المشكلة لا بالضغط على المواطنين وجعلهم الحلقة الأضعف دائماً فالحل يكمن بمحاربة الفساد).

أما بالنسبة لصناعة الخبز وأساسها في الاقتصاد الأمني الوطني فلا بد أن نسلط الضوء على بعض المقترحات والآليات الاقتصادية التي يمكن أن تكون بمنظور الحكومة وفق دراسات اقتصادية علمية خلال الفترة المقبلة لتحسين واقع تحسين الرغيف ووجوده، فهو الحق المشروع للشعب في أي بلد بالعالم.

 -ترميم العلاقة بين اقتصاد الظل واقتصاد الضوء من خلال وضع خطة جديدة في رسم أسس نموذج اقتصادي جديد بإعادة التوازن بين طرفي علاقة اقتصاد الظل باقتصاد الضوء لصالح الأخير، وكل ذلك باتباع آليات ودراسات علمية وعملية في صناعة الخبز وتحييد الآليات السابقة الرقابية والتفتيشية وحتى الإعلامية غير المجدية التي فشلت عبر عقود في إحداث أي تصويب بين علاقتي ظل/ ضوء، بل على العكس دخلت في كثير من الأحيان في دوامتها وتواطأت معها وأحدثت أثراً سلبياً في نفوس الشرفاء والمجتمع السوري عامة.

–  بالنسبة لحجم الهدر المقدر بالمليارات هي إعادة تأميم القطاع العام (وليس الخاص) عبر تجفيف منابع الهدر فيه وإعادة هيكلة الدعم بشكل عام والخبز بشكل خاص، وبالتالي تحييد كل حلقات الفساد بدءاً من منبعها: المؤسسات المنتجة وحلقاتها الوسطى وصولاً إلى رعاتها من مؤسسات رقابية وهيئات تفتيش في دورة الفساد الاقتصادي عبر حمايته حيناً والتواطؤ معه حيناً آخر، وتهديد الشرفاء بالقضاء ومحاكمه في حال عدم الخضوع عبر آلية متهم تحت الطلب.

– الإسراع في تنفيذ الإجراءات والخطط العلاجية ضرورة وطنية ملحة ومصلحة اقتصادية، والنقطة الأهم التي يجب التوقف عندها سوء إدارة الدعم وتوزيعه، فبعد أن كان الدعم مرتكزاً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وبالتالي السياسي، أصبح ثغرة هائلة لتدمير الاقتصاد السوري وكل أشكال الاستقرار الأخرى، فالهدف الأساسي هو الإبقاء على الدعم وإعادة توزيعه بهدف القضاء على ثغرات ومنافذ إنعاش اقتصاد الظل في العملية الإنتاجية عبر آليات جديدة مبنية على أسس علمية صحيحة من خلال إجراءات حكومية إدارية سريعة وغير مكلفة، وذلك من قبل الوزراء المعنيين، فالضرورة قصوى لقرارات ذات بعد وطني تخفف العبء عن الخزينة والمواطن.

 إضافة إلى محاكمة كل الهيئات الرقابية والتفتيشية على ما فاتها من واجب وطني خلال عقود طويلة والتحقيق معها ومع إداراتها المتعاقبة عن تغاضيها عن ملفات بهذه الخطورة وبهذا الحجم من جهة، ومحاسبتها حول الأذى الذي تسببت به لكثير من الشرفاء والوطنيين.

العدد 921 - 29/07/2020