الغرفة

ريم الحسين:

رغم وعيد ترامب وتهديده لمستشاره السابق بدفع ثمن باهظ، إلّا أن جون بولتون نشر أخيراً مذكّراته التي تكشف جوانب من النقاشات الخاصة في البيت الأبيض، بين الرئيس الأمريكي وعدد من المسؤولين الكبار في إدارته بينهم بولتون نفسه وجميس ماتيس، وزير الدفاع السابق، ووزير الخارجية مايك بومبيو.

وركّز الكتاب، الذي صدر في حزيران ٢٠٢٠ على جلّ النقاشات الرئيسية التي دارت في البيت الأبيض، خاصة ما يتعلّق منها بنزاعات الشرق الأوسط وشؤون الأمن القومي الأمريكي وشخصية الرئيس ترامب.

وقد استمات دونالد ترامب لحظر نشر كتاب بولتون، لما فيه من توصيف دقيق لترامب من حيث الثقافة والمعرفة، فترامب إحدى دمى الدولة العميقة عديم الثقافة الأخلاق والمبادئ، جلبته الدولة العميقة لتنفيذ أحقر مخططاتها التي تتطلب شخصاً جاهلاً تافهاً ومجرماً بآن معاً.

الكتاب مليء بتفاصيل كثيرة جداً تكشف عن آلية صنع القرار داخل البيت الأبيض، وأن السياسات الخارجية الأمريكية في عهد ترامب مرتبطة باعتبارات داخلية بحتة (انتخابية)، ذلك أن جميع قراراته تصب في خانة تعطشه للسلطة ومحاولته البقاء في منصبه، عن طريق الخلط بين مصالحه الشخصية وأولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

وأبرز ما جاء في (الغرفة التي شهدت ذلك) من ضمن ٤٧٠ صفحة موقف الرئيس الأمريكي من الانسحاب خارج الأراضي السورية عام ٢٠١٩، الذي أحدث ضجة كبيرة آنذاك نتيجة التخبط الذي تلا تصريحه من صقور إدارته وعدم تطبيق القرار فعلياً، ويؤكد بولتون أن الرئيس الحالي لم يتبنَّ الموقف حينذاك لموقف عام أو استراتيجية محددة كان هدفه و شعاره الوحيد (قاعدتي الانتخابية وحملتي الانتخابية) ذلك أن ناخبيه يريدونه أن يخرج من سورية ومن أي مكان للنزاع في العالم توجد فيه القوات الأمريكية على الأرض ليتم توفير الأموال وتخفيض النفقات وخلق فرص عمل إضافية للأمريكيين، وهذا كان وعد ترامب أثناء حملته الانتخابية والمحرك الأساسي للقرار، بحسب ما ذكر بولتون نقلاً عن ترامب. ويقول بولتون حتى الهدف الذي دخلت من أجله الولايات المتحدة إلى سورية هو محاربة داعش، وأن الولايات المتحدة تحارب داعش هناك من أجل أعدائها روسيا وإيران وسورية. ويقول ويكرر: (أنا لا أدري لماذا نحن موجودون في سورية). وسورية بالنسبة للرئيس الأمريكي كما صرح علناً هي ليست إلا رمالاً وموتاً، وكان بتصور الرئيس الأمريكي أن يحلّ العرب مكان القوات الأمريكية في محاربة داعش، وهذا هو الموقف الظاهر، إنما الحقيقة هي العصا التي حاول الأمريكان عقد صفقات عن طريقها لإجبار الدول العربية على دفع الأموال، فقد هدّد بالانسحاب إذا لم يتم سداد أموال بنسب محددة من قبل الدول العربية المتآمرة على سورية.

ومن أهم مما ذكر في الكتاب أن الرئيس الأمريكي حاول الاتصال أكثر من مرة بالسيد الرئيس بشار الأسد، وطلب من وزير خارجيته أن يحاول الوصول إلى السيد الرئيس، من أجل محاولة الإفراج عن ستة أمريكيين مسجونين في سورية، وأن مستشاريه انتقدوه للإقدام على هذه الخطوة، لكن ترامب كان مصراً على الاتصال، والأمر الذي أنقذ مستشاريه مما يعتقدون بأنه (كارثة) أن الرئيس السوري هو من رفض الاتصال مع الأمريكان والرد على اتصالات البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، الأمر المثير للدهشة بحسب بولتون، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي وهدّد وتوعّد ولم يحصل على أي شيء، فلا نفذ تهديداً ولا وعيداً، والسبب الرئيسي لهذه المحاولة هو تعزيز شعبيته قبل الانتخابات القادمة، وإضافة إنجاز إلى ملفه، فقد استطاع سابقاً تحرير سجناء من كوريا الشمالية وإيران.

كما يصف بولتون في كتابه لقاء جمع بين ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ على هامش قمة العشرين التي عقدت في اليابان في العام الماضي.

ويقول بولتون إن الرئيس الأمريكي حوّل الحديث بشكل مذهل إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة مشيراً إلى قدرة الصين الاقتصادية، وطالباً من الرئيس شي أن يضمن فوزه في تلك الانتخابات.

وادّعى بولتون في كتابه أن ترامب أخبر الرئيس الصيني شي أن الشعب الأمريكي يريد منه أن يجري التعديلات الدستورية اللازمة للسماح له بالاحتفاظ بالحكم لأكثر من فترتين رئاسيتين.

ويقول، في مقطع من الكتاب نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال): (جاء ذلك عندما قال شي إنه يرغب بالعمل مع ترامب لست سنوات أخرى، مما حدا بالرئيس الأمريكي إلى الرد بأن الشعب الأمريكي يقول إن تقييد الرئاسة بفترتين فقط يجب أن يُرفع في حالته).

وقال شي إن الولايات المتحدة تشهد كمّاً كبيراً من الانتخابات، وإنه لا يريد التحول عن ترامب. وهز الرئيس الأمريكي رأسه معرباً عن تأييده لما يقوله نظيره الصيني، وهذا ينافي العداء الصارخ للصين وخصوصاً في الفترة الأخيرة من قبل الرئيس ترامب، فهل ترتبط هذه التسريبات بمحاولة فهم هذا العداء ربما لتغيّر الموقف الصيني أم أن التسريبات مسيسة وغير دقيقة؟

الكتاب مليء بالأحداث والمواقف الطريفة وكشف الأسرار وتفاصيل كثيرة عن علاقة ترامب وتعامله مع الدول سواء الأعداء أو الحلفاء.

الغرفة فتح الباب والنافذة على مصراعيهما في هجوم واضح على شخص الرئيس الأمريكي دون التطرق لخبث الإدارة الأمريكية بالمجمل، وإنما التركيز على سياسة الرئيس ترامب وموقفه من العديد من القضايا وطريقة تعامله غير الاعتيادية مع قضايا دولية حساسة ومعقدة، وكأنه كتاب نميمة من أحد الصقور المتطرفين الناقم على سياسة ترامب، وقد وجد في الكتاب فرصة لتصفية الحسابات.

العدد 929 - 30/09/2020