صنّاع الحياة وعشّاقها

عباس حيروقة:

لأن أسئلة الحياة كثيرة وكبيرة وصعبة جداً وغير متوقعة أبداً، لا، بل تخالها خارج التصورات والتخيلات.
حياة فرضت علينا في السنوات العشر الأخيرة برامج وسلوكيات وأفعالاً وأعمالاً وعلاقات جديدة لم نعهدها من قبل بمفردات جديدة غرائبية.
حياة قاسية جداً فرضتها الحرب بكل فظاظة وفجاجة وفجور، فدفعتنا، لا، بل شردتنا جميعاً يتامى مضينا بقاماتنا النحيلة التعبة تجاه دروب المنافي والفيافي والبحار الغامضة الغاضبة.
حياة، وسنوات الحرب الطوال لم يسبق لشعب أن خاضها أو عاشها وعايشها كما عاشها السوريون
حياة دفعت المواطن السوري الذي لم يقضِ نحبه، الذي ينتظر ولم يبدل تبديلاً.
حياة دفعت السوري الذي بقي متمسكاً بتراب وهواء وماء الحياة على هذه الأرض، أرض الحياة سورية، دفعت السوري الذي لم تلوثه الحرب بمفرزاتها المقززة الدامية إلى ممارسة كل ما من شانه الحصول على الرغيف النظيف النظيف.
السوري الذي حاصر الحصار بالحصار، فطحن في راحه التراب قمحاً وهدهد الريح على تراتيل الأمهات الجاثمات على بوابات المقابر، ينتظرن أبناءهن كل مساء من مساءات الحروب.
السوري الذي بأنامله جعل من أشجار الغابات عجينة مطواعة لينة مددها على رمال شاطئ وهذبها وشذبها ونفخ فيها من روحه وقال لها كوني سفينة سورية، فكانت أول سفينة في التاريخ اخترقت عباب البحر حاملة للعالم كل العالم حضارة وثقافة الحياة بأبهى مفردات الحب، وكانت..
ولكن المفارقة القاتلة أن هذا البحر وهذه السفينة وبعد آلاف السنين حملت أبناء هذه السوري الأول ورمتهم موتى على بوابات البحار والمدن والعالم في تغريبة لم يشهد لها التاريخ.
السوري الذي ما بدل تبديلاً ما زال ينتظر نحبه في فيء كرمة وزيتونة وغمامة.
وما عاشه ومازال السوري النبيل في السنة الأخيرة من هذه الحرب، لا بل في الأشهر الأخيرة من حصار مفروض ومن على غير جبهة ستدفعه تجاه دروب مجهولة لم يسبق لحرب السنوات الطوال أن دفعته نحوها.
إنها حرب أكثر قذارة ودموية، لا حرب مدرعات وصواريخ وعقائد من كهوف عفنة لا بل أشد كفراً، إنها حرب الرغيف، حرب التجويع والإفقار والإذلال.
حرب سحب اللقمة من أفواه الصامدين الذين ضحوا بأغلى ما يملكون، وقدموا أبناءهم قرابين في سبيل حياة كريمة ووطن عزيز.
حرب أم أشدّ من ذلك، سياسة قهر وتهجير وموات رسمت لشعب قال للنار التي شبّت في حقول القمح: يا نار كوني سلاماً، فكانت! وقال للغيم حين حصار: يا غمام الله آن تحن، فكان الرعد والبرق، وكان المطر.
هذا بعض ما شيء للسوري أن يكون عليه من قهر وجوع وإذلال وحرمان وموات بطيء.
هذا بعض ما شيء للسوري من قوى الخارج التي لم نستبعد منها أن تكون ما هي عليه لأنها عدوانية وعدوة التاريخ والجغرافية، ولكن ما هو الأشد رعباً أن نجد لهذه القوى العدوانية الخارجية كل هذه الأيادي والأذرع التي نشبت أظفارها القذرة في أعناقنا.
ولكننا ما زلنا وسنبقى نقول للماء وللنار وللريح، لأننا أبناء الحياة وعشاقها وسننتصر على الحرب ونحاصرها بما نحن عليه من حب، ومن حب، ومن حب.

العدد 928 - 23/09/2020