اقضِ على الأسباب تختفِ النَّتائج!

إيناس ونوس:

ما إن تسير في الشَّارع حتى تتوالى أمام ناظريك مشاهد كنت تخالها خاصَّةً بالسِّينما أو بالرِّوايات فقط: أطفالٌ بثيابٍ باليةٍ وهيئاتٍ مبعثرةٍ يفترشون الأرض، غير آبهين بحرٍّ أو برد، بليلٍ أو نهار، منهم من يمدُّ لك اليد طالباً مالاً أو طعاماً، منهم من يغوص في أعماق حاويات القمامة باحثاً عن أيِّ شيءٍ يمكنه أن يبيعه مقابل حفنة نقود، ومنهم من يهيم في الشَّوارع بغية التَّخريب وإلحاق الأذى بممتلكات الآخرين.

لم تعد هذه المشاهد حكراً على السِّينما أو الرِّوايات، فقد خرجت شخصياتها عن إطار النَّص المرسوم لها، وأبت إلاَّ أن تغدو واقعيةً حيَّةً من لحمٍ ودم، أطفالٌ بعمر الورود باتوا بلحظةٍ واحدةٍ رجالاً ونساء يدركون المعنى الحقيقي للجانب المرعب من الحياة غصباً عنهم وبغير إرادتهم، ناموا ذات يومٍ في أحضان عوائلهم واستيقظوا في اليوم التالي ليصدموا بأنهم أصبحوا في الشَّارع بلا أمٍّ ولا أب، بلا مأوى ولا معيلٍ مسؤولٍ عنهم، بلا أيِّ معنىً لوجودهم، وكنتيجةٍ حتميةٍ لغريزة البقاء، صاروا يتعلَّمون كيفية مقاومة الموت بأيِّ شكلٍ مهما كان الأسلوب، تتقاذفهم الحياة بأقسى صورها بين هنا وهناك. وليكتمل الفيلم، بتنا نرى مشاهد أخرى أخذت تطفو على السَّطح في الآونة الأخيرة، في مجتمعٍ كمجتمعنا يعتبر نفسه محافظاً، حاملاً للقيم الأخلاقية والدِّينية، أبطالها أطفالٌ في سنِّ المراهقة، منهم من يعيش في كنف أهلهم البعيدين عنهم بعد السَّماء عن الأرض، ولا أحد يعرف شيئاً عن الآخر، ومنهم من ليس لديه أحدٌ أساساً، يعيش وحيداً مهملاً، ما اضطرَّ هؤلاء الأبطال إلى البحث عن ذواتهم الضَّائعة مع رفاق الشَّارع والزَّوايا الخفية المعتمة، متباهين بالسُّلوكيات اللاأخلاقية التي يمارسونها، متسابقين فيما بينهم من يكون الأكثر جرأةً (بنظرهم) على القيام بأفعالٍ لا تخطر على بال، من سرقة، وتحرّش، أو تعاطٍ للمخدرات، ويصل بهم المطاف في النِّهاية لارتكاب جرائم القتل والاغتصاب والتَّمثيل بضحاياهم.

كثُر تناول هذه الصُّور والمشاهد مؤخَّراً على صفحات التَّواصل الاجتماعي، وعلت الأصوات المطالبة بإلحاق أشدِّ العقوبات بهؤلاء المجرمين القُصَّر، وها هي قوى الأمن تعمل على اللَّحاق بهم والنَّيل منهم، والجميع يصرخ مندِّداً بهذه النَّتائج، غير أن أحداً لم يلقِ بالاً حتى اليوم لمبدأ السَّبب والنَّتيجة، فهذه الأفعال والمسلكيات لها من الأسباب ما لها، وقد بات من الضَّرورة القصوى أن يتمّ البحث في الأسباب قبل أن يتمَّ العمل على النَّتائج بحدِّ ذاتها، فماذا نرجو من جيلٍ كامل، تفتَّحت عيونه على مشاهد القتل والحرب والدَّمار والتَّشرُّد والدَّم خلال الحرب اللَّعينة التي لم ننهض منها بعد؟ والتي، ومن وجهة نظره، تعتبر جوانب طبيعيةً للحياة بل وأقلُّ من عادية، فهو لم يعش الجانب الآخر للحياة، بل إنَّه اكتسب منها القسوة واللَّامبالاة وانعدام القيم الأخلاقية والتَّربوية، وتشرَّب العنف بشتَّى أشكاله، وقد كبر ولا يوجد أمامه إلاَّ محاولات التَّشبث بالحياة مهما كانت الوسائل في مواجهة الموت، ساهم في ذلك الكثير من مسلكيات الكبار من حوله الذين حلَّلوا وشرعنوا العديد من تصرُّفاتهم السَّيئة من قتلٍ وسرقةٍ وتعفيشٍ ونهبٍ لممتلكات الآخرين بغية الثَّراء والقضاء على فقرٍ طالت معيشتهم به، في ظلِّ غياب الرَّوادع المجتمعية من جهة، وابتعاد الجهات المعنية عن تنفيذ وأداء مهامها الملقاة على عاتقها، والعمل على تنفيذ قراراتها فقط كحبرٍ على ورق دون مقاربة جدِّية في متابعتها على أرض الواقع، ما ساهم في تشرُّد العديد من الأطفال وتسرُّبهم من المدارس، التي، وبالرَّغم من كل ما قامت به وزارة التربية لاحتوائهم، إلا أنَّها كانت مجرَّد مشاريع لم تؤتِ أكلها حقيقةً، بل جاءت بنتائجَ مغايرةٍ تماماً لما كان مرجواً منها. حينما تُصاب شريحةٌ من المجتمع بمسٍّ وسوء، فإنَّ بقية الشَّرائح لا بدَّ أن تتأثر بهما، فهؤلاء الأطفال الذين باتوا اليوم مجرمين لم يُخلقوا هكذا، وليسوا هم المسؤولين عمَّا باتوا عليه، لأنَّنا جميعنا نتحمَّل المسؤولية، سواء كنَّا آباء وأمهات ومربين لسنا أكفَّاء لنتحمَّل أعباء التَّربية الحقيقية ومعانيها، أو كمؤسَّساتٍ حكوميةٍ غير متابعةٍ لما يجري على أرض الواقع، أو كمجتمعٍ يبتعد شيئاً فشيئاً عن قيمه وأخلاقياته، مبرِّراً أيَّ سلوكٍ بحجج وذرائع مختلفة، أوَّلها الفقر المادي على أساس أنَّه السَّبب الوحيد لهذه الحال التي وصلنا إليها، مع الرَّفض القاطع لهذا المبرِّر، فالفقر ربَّما يكون سبباً للسَّرقة، غير أنَّه من غير المنطقي والمعقول أن يكون دافعاً للقتل والتَّمثيل بالضَّحايا، أو الاغتصاب وانتهاك المحرَّمات.

العدد 921 - 29/07/2020