لثام الحشمة

غزل حسين المصطفى:

عن أمٍّ صُعقت وفُجعت حتى غارت الحروف في فيها، وأبٍ مهيض الجناح يستنهض عزيمته ليطالب بإعدام المجرمين في ساحة القرية، كنتُ أخوض في تفاصيل تلك الجرائم، أُعقّب على الاعترافات، وأشرح ما سمعت من طريقة التنفيذ، في منتصف حديثي قاطعتني والدتي بسؤال: (كيف تستطيعين مشاهدة تلك المقاطع المُصوّرة للجريمة ومسرحها!؟ أنا عن نفسي أهرب بعيداً عن ذلك المرّ والتفاصيل البشعة).
وقبل أن أفكّر بالإجابة، قلتُ في نفسي: نستنكر حتّى بات سماع القصة قوّة خارقة، كيف بمن نفّذ وخطّط!؟
نُشيح بأبصارنا عن بقع الدم، فكيف بمن سلب الروح وطعن بسكّينه تلك الأجساد!؟
وذلك السؤال المعهود عاد ليقرع طبوله في دماغي: كيف استطاعوا، أين إنسانيتهم، أو ربما أين معتقداتهم السماوية!؟
أحبوب المخدّرات، والفقر والحاجة هي الدافع والمُبرّر!؟
أوضعنا الراهن سيكون مبرّراً لجرائم مستقبلية أشدُّ فظاعة وقُبحاً من تلك!؟
من سرق بدافع المال ليس مسوّغاً، لكن من اغتصب طفلة ونكّل بجثتها ما كان دافعه؟؟؟

يوماً ما وقبل سنوات ثلاث ناضلتُ لأكون عضواً فعّالاً في إحدى الجمعيات، وشرعتُ بالكتابة في الجريدة وجعلتُ الإنسان قضيتي، وكرّستُ كل طاقتي لنشر المعلومة الصحيحة والتوعية.
كنت أطمح إلى مجتمعٍ خالٍ من فكر التحرّش والاغتصاب والتعنيف.
كنتُ مندفعة إلى فعلي فسخّرت كل شيء لأجل ذلك، وأسعى بشتّى الطرق لأن أقدّم أفعالاً تصنع الفرق.
اليوم وفي لحظة يأسٍ أشعلتُ عودَ ثقابٍ في دفاتري، جمعتُ كلّ تلك الشعارات وعناوين الجلسات التثقيفيّة والمحاور النفسيّة وأضرمتُ بها ناراً.
جلستُ أُقلّب شواء الفكر والأخلاق، كان الدخان المُنبعث منها يشدُّ أضلاعي نحو تلك النار ويحرقها، حتى ثملتُ بتلك الرائحة، وراحت أفكاري تُعيد شريط مقالٍ ما كنتُ قد مررتُ به مؤخّراً حول(سيكولوجية الاغتصاب) استسلمتُ لصوتي الداخلي يقول:
(يعتقد الكثيرون أن الاغتصاب هو بطبيعة الحال جريمة جنسية، وهم بذلك يرون أن الدافع الحقيقي للاغتصاب هو التنفيس الجنسي، وهذا الاعتقاد يحمل دلالات واضحة تحاكم بها الضحية أخلاقياً بحيث يُعتقد أنها أثارت بطريقة لبسها أو تصرفها أو كلامها أو أفعالها الأفكار الجنسية لدى المعتدي عليها، وبسبب توفرها بالمكان والزمان الخطأ دون حماية قام الرجل باغتصابها).
هذه الفكرة التي تُلقي باللوم على المرأة وتمنع البعض من التعاطف معها والعمل لضمان حقها، دون النظر إلى أن الرجال قد تقع عليهم تلك الجريمة منذ الطفولة ربما أو فيما بعد.
كما تُغفل الحقيقة الكامنة وراء ذلك الفعل، إذ أثبتت بعض الدراسات أن الاغتصاب في الحقيقة ليس جريمة جنسية، بل هو جريمة عنف يكون المغزى منها ليس التنفيس الجنسي، بل الإهانة والإذلال وكسر الروح المعنوية، وهذا ما استوقفني حقيقةً.
فنحن اليوم نمرُّ بأتعس الظروف وأشدّها، ما سيجعل الجميع من ذلك شمّاعةً لكل ما سيحصل ربما، لكن هو في حقيقة الأمر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة متضافرة مع مجموعة أسباب سيكون هو فعلاً السبب.
هل ما ذُكر آنفاً هو المبرّر والعزاء؟
هل ظروف بلادنا وحدها السبب؟
هل تلك الظروف ستكون شفيعاً؟
هل سنعود إلى شريعة الغاب ونحن في عام 2020؟
هل وهل وهل؟!
أسئلةٌ يُجيب عنها المنطق، أو ربما لا يمكن أن نطرحها بوصفها سؤالاً حقيقياً، وإنما هي استخفاف واستهزاء بما نحن عليه.
فلا شيء يُبرّر الجريمة في بقعة جغرافيةً تخضع لحكم وسيادة دولة قانون ويعيش فيها بشر.
لا شيء يُبرّر الجريمة.
ويعود السؤال: كيف كان شعور المجرم حين نفّذها، وكيف صار اليوم من خلف القضبان؟
كيف يمكن أن يبرأ الجرح بحكم المحكمة؟
كيف يمكن أن ترتدع تلك العناصر النائمة، أو مجرمو المستقبل؟
هل تنفيذ حكم الإعدام هو الحل؟!
نحن نستنكر جريمة إزهاق روح أحدهم، هل سيكون حكم المحكمة بإنهاء حياة أحدهم، ولو كان مجرماً، أمراً طبيعياً مقبولاً؟
هل سيُصلح حكم المحكمة الأحداث في سجونهم، فيخرجون بأثواب الصلاح والتوبة عن الجريمة؟
تكاثفت الأسئلة في رأسي حتى أحسستُ بعظام الجمجمة تتآكل، وأدركتُ في نهاية جولتي تلك أنه من المتعب جداً أن نمتلك عقولاً تفكّر وتحلّل.
عدتُ إلى حديثي مع أمي وأجبتها، حين أستمع لتفاصيل الجريمة على اختلاف أنواعها، ما يشدّني إلى ذلك هو البحث وراء عقول بشرية تمتلك من الدهاء ما يجعلها تخطّط للمنكر ولا تستطيع أن تُعمل تلك الطاقة في طرق بديلة.
أسمع تلك التفاصيل وأنا أُميطُ لثام الحشمة والفضيلة عن وجه مجتمع كشف عن عوراته بأبشع الطرق، وهو مازال مُصرّاً على أنه فاضلٌ حكيم.
أقرأ الجريمة لأن تلك الكتب في مكتبتي لم تأتِ على ذكر ما أراه، ولأن العمر قد لا يسمح لي بأن أعيش لأقرأ يوماً عن واقعي.
وبصراحة كُتّاب التاريخ كاذبون، قد يُغفلون ذلك أثناء عملية التجميل التاريخية.
غادرت المكان وثورة الإصلاح تخنق الخيبة التي تعتصر شرياني.

العدد 937 - 25/11/2020