وطن وانتخابات

عيسى وليم وطفة:

في خضم الصراع ما بين رجال السياسة ورجال الدين، والتسابق للسيطرة على القيادة والتحكم بالمجتمعات البشرية، دخل الفلاسفة على خط الصراع وتفننوا باختراع مفهوم تداول السلطة، وكان الجدل دائماً حول مفهوم تداول السلطة وآلياته بأقل خسائر ممكنة، لتكون نتيجة المنافسة بين الطرفين: رابح_ رابح. لكن عبثاً، فقد انهارت دول وعروش وقامت عروش ودول أخرى على أنقاضها، ولا تزال فكرة التداول المنشود للسلطة متأرجحة وخاضعة للتبدلات حسب تغيّر الظروف والوقائع، فكلما طلع علينا علماء الاجتماع بأفكار جديدة، جاءنا علماء النفس بحجج وبراهين لنقض هذه الأفكار، وحين يدوّرون الزوايا ويتفقون على حل وسط يحتال عليهم رجال السياسة بحركة التفافية بحيث يُفرغون هذه المفاهيم من جدواها، بهدف الحفاظ على قواعد لعب تحفظ لرجال السياسة ورجال الدين سيادة المجتمعات.

لكن السؤال الذي يُطرح هو: أين هو الوطن؟ وأين هي مصلحة الوطن الحقيقية داخل حلبة السيرك السياسي وسط هذا التباين الواضح في المصالح الى حد التناقض بين المترشحين لمناصب قيادة الدولة والمجتمع، فإن كل واحد منهم يرى نفسه الوحيد السوبرمان القادر على وضع الوطن والمجتمع فوق سماء المجد.

إن فكرة الانتخابات كإحدى آليات الحراك السياسي، رغم طوباويتها ورغم ما تحمل من تقلّبات وتباينات، فإنها مازالت الفكرة الديمقراطية الأقرب إلى عقل المواطن لإيصال من يمثله إلى مركز صنع القرار عبر صندوق (ديمقراطي) لعل وعسى أن يقود هذا التغيير المحتمل إلى تحسين الواقع المعيشي للمواطن الناخب. وللأسف يحصل هذا في الوقت الذي يكون فيه المواطن غارقاً وحائراً في تدبير أموره الحياتية ومتطلبات معيشته في ظل رأسمالية متوحشة وساعات عمل طويلة ومرهقة، بحيث لا يبقى لديه الوقت والقدرة على التفكير بما يمكن أن يفعله وسط الجماعة التي هي أصلاً غير منظمة. إن الناخب العريان والجائع لا يستطيع أن يعبّر عن نفسه ويختار بحريةٍ ووعيٍ كامل من يمثله، وخاصة حين ينشط المال السياسي عند التنافس الانتخابي، وذلك بشراء الذمم وأصوات الناخبين الجياع.

مما لا شك فيه أن إجراء الانتخابات وفق قواعد ديمقراطية نموذجية يمكن إيجادها ضمن الأدبيات السياسية ومحاضر الاجتماعات الحزبية والبرلمانية، وفي مجالس ومؤتمرات المثقفين، هو الهدف المنشود. وللوصول إلى هدفٍ كهذا فإنه لا بد من المشاركة الفعالة في أي انتخابات برلمانية أو نقابية أو حزبية ستجري، حتى لو كانت هذه الانتخابات عرضة للتزوير والتلاعب السياسي، لأن المواطن الناخب هو رقم موجود يصعب تجاوزه في كل عملية انتخابية، بينما المواطن المستقيل من واجباته الوطنية بالامتناع عن المشاركة في العملية الانتخابية وإبداء الرأي هو رقم سلبي يؤدي إلى عرقلة القوة الاجتماعية الدافعة نحو الأفضل. ومع أن الكاتب الساخر جورج برنارد شو يقول: (الرجل السياسي هو من يهز يدّك قبل الانتخابات وثقتك بعدها)، فهذا لا يعني عدم المشاركة في الانتخابات.

إننا جميعاً اليوم مدعوون أخلاقياً ووطنياً للمشاركة في انتخابات مجلس الشعب بشكلٍ سلمي وحضاري، إنه استحقاق دستوري هام لا بد أن نعمل بممارسته لإيصال أفضل ممثلين عنا للدفاع عن حقنا في الحياة الكريمة ومستقبل أولادنا في بلد آمن، تعدّدي، ديمقراطي وحرّ.

١٠ تموز ٢٠٢٠

العدد 921 - 29/07/2020