تفاصيل الاستنزاف المكرّرة

ريم الحسين:

يستمرّ النزيف والمعاناة بالنسبة للمواطن السوري، من الاقتصاد المتآكل إلى الفساد وقلة الخبرات والقرارات العشوائية غير المدروسة، لتغطي معظم التفاصيل الكبيرة والصغيرة وكأن الهدف إشغاله فقط بتأمين أبسط احتياجاته، وجعله يدفع فاتورة الحرب مرة من دمه ومرة من جيبه ومرة من تعب جسده وروحه.

تفاصيل كثيرة ذكرت على مدار السنوات الماضية كانت كفيلة بزيادة حجم المعاناة، وكأن المعنيين في هذا البلد لا يفقهون إلا ثقافة الطوابير عن دراية وقصد، أو عن قلة خبرة وعدم الرغبة في العمل الجاد النبيل الذي يهدف لخدمة الوطن والمواطن.

اليوم وبعد زيادة عدد الإصابات بجائحة كورونا ضمن البلد والإنذار بحدوث تفشٍّ كبير، مازالت آليات العمل نفسها والعقلية نفسها، فإن لم يكن الهدف الرحمة بالمواطن فقط، فارحموا هذا البلد من كارثة وشيكة، فمن طوابير الغاز والمواصلات والبطاقة الذكية والصرّافات الآلية، يطل علينا مشهد جديد على مراكز بيع الدخان الوطني!

غريب ما يحدث من اقتصاد الظل الذي أصبح علانية دون رادع أو قيود، فالدخان الوطني متوفر في السوق السوداء بسعر مضاعف وأكثر، ويقف العشرات للحصول على علبتين من المخصصات المسموحة في اليوم الواحد للفرد، وكما كل الطوابير طبعاً، دون أدنى التزام بإجراءات الوقاية الصحية. فالمواطن الذي يقف في طابور لساعات من أجل توفير مبلغ زهيد لن يدفعه لشراء كمامة أو كحول! هذا ما يصرح به الغالبية وكأن الحياة ما عادت تعنيهم، فالموت والحياة واحد تساوت لديه قيمتهما، غير أن البعض يجد الموت أفضل!

العقلية المنتجة للطوابير في هذا البلد غريبة، فمثلاً على صرافات المصرف الصناعي والعقاري القليلة والمعطل معظمها منذ أكثر من أسبوع، ويطلب من المواطنين التوجه للفرع الرئيسي وجواب الموظفين: لا نعرف ما هو الخلل ونحن موعودون مثلكم بإصلاح العطل، بينما يتجهم أحد الموظفين وبسخرية: هذا إن كانوا قادرين على معرفة ما هو السبب لإصلاحه!

ما الهدف من جعل استلام الراتب على دفعتين في المرة الأولى لا يسمح لك إلا بأربعين ألفاً، ومن ثم تعيد إدخال البطاقة لتسحب المبلغ الباقي! يعني بحسبة بسيطة كان الممكن أن يسحب شخصان في هذا الوقت! والكل يعلم أن المواطن الذي لا يكفيه راتبه عدة أيام سيسحبه كله، وسيتجه الغالبية للقبض في أول يوم، وهنا تجديد لنهج الطوابير والمعاناة! هذا عدا أن الصرافات معطلة معظم الوقت أو فارغة من المال، على قلتها!

ما الهدف أيضاً من رفد المؤسسات بمادة واحدة من المواد المتبقية على البطاقة الذكية؟ هل ليكرر الطابور نفسه مرة أخرى من أجل المادة الأخرى وزيادة حجم الاستنزاف والتعب والإرهاق لدى الناس؟ وبعد مسرحية زيادة أسعارهما ومن ثم تخفيضها ليكون التخفيض زيادة أيضاً!؟ فإذا كانت المواد تستورد على السعر التفضيلي الجديد لماذا لا تصبح الرواتب أيضاً على هذا السعر ليتسنى للمواطن يومين إضافيين في الشهر دون دين أو حاجة ولتواكب ارتفاع الأسعار المرعب رغم الارتفاع البسيط في قيمة الليرة مؤخراً!

ومن ثم فقد رضخت وزارة الصحة لإضراب معامل الأدوية وبدأت ترتفع أسعار معظم أصناف الأدوية بالتدريج وعلى مراحل، وأصبح دواء للضغط سعره السابق ٨٠٠ ليرة سورية يساوي على السعر الجديد ٥ آلاف ليرة سورية، وهذه عينة تعمم على باقي الأنواع!

ما مصير اقتصاد يعاني بعد حرب كبيرة وشلل وحصار وعقوبات والقدرة الشرائية للناس منخفضة جداً، وهذا يساهم في تعطيل الدورات الاقتصادية إن كان ما بقي الآن يسمى اقتصاد مجازاً! هل تحول اقتصاد البلد لاقتصاد مافيات ومتنفذين وسوق خفيّ ظاهر؟!

أسئلة لا تملك الإجابة من المواطنين وحتى المختصين، فمن يملك الإجابة حالياً وإلى أين يسير بنا هذا المركب الهائج على كثرة العواصف؟ فما نشاهده حالياً هو الغرق الحتمي، فهل يكون هناك مركب إنقاذ أخير لما تبقى من مقومات لبداية اقتصاد فعال؟!

فضلاً عن الوضع الاجتماعي المتردي، فحيث يكون الفقر والحروب تكثر السرقة والجريمة وما نشاهده ونسمع عنه في الأيام الأخيرة من قصص تقشعر لها الأبدان يعطي الضوء الأحمر وإنذاراً جدياً للاهتمام بالصحة النفسية كما الجسدية لهذا الشعب المنهك نفسياً وجسدياً قبل أن يتحول هذا الوطن المتعب إلى مصح نفسي كبير.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

العدد 922 - 12/08/2020