عرقلة أمريكية تركية للتسوية السياسية للمسألة السورية

رزوق الغاوي:

بعد أن اعترفت الإدارة الأمريكية بإخفاقها في ليِّ ذراع سورية عسكرياً، عدّلت هذه الإدارة نهج عدوانها العسكري إلى الضغط الاقتصادي بغية تضييق الخناق على الشعب السوري، مُتَوِّجَةَ هذا الضغط بابتكار أسلوبٍ متطورٍ من العدوان الاقتصادي تمثل بـ(قانون قيصر) الذي يستهدف لا الشعب السوري والحكومة السورية والنهج السياسي السوري فقط، بل يستهدف أيضاً الحكومات والشركات ورجال الأعمال الذين يتعاونون تجارياً مع سورية، وخاصة لبنان والأردن اللذين أصابهما ما أصاب سورية من ذلك الضغط الاقتصادي الأمريكي.

فالبلدان يلعبان دوراً هاماً في عمليات التبادل التجاري مع سورية، لأن الأردن يشكل مع سورية طريق عبور البضائع اللبنانية إلى الأردن ومنه إلى بلدان الخليج ، ما يعني في النتيجة أن البلدان الثلاثة تتحمل وِزْرَ العدوان الأمريكي المزدوج، وهو أمر يجب أن يَعيَهُ ويدركه كلٌّ من بيروت وعمَّان، لِما للضغط الاقتصادي الأمريكي عليهما من تبعات مؤلمة من شأنها الانعكاس سلباً على الشعبين اللبناني والأردني وعلى حكومتيهما، وعليهما بالتالي اتخاذ المواقف الجريئة والكفيلة بمواجهة ما يتعرضان له من مخرجات السياسة الأمريكية الرعناء المخالفة للقانون الدولي وحقوق الانسان وميثاق الأمم المتحدة.

في ضوء ما تقدم، ينبغي التوقف عند اعتراف جيمس جيفري (المبعوث الأمريكي المكلف بمتابعة الشأن السوري)، وتباهيه بأن هبوط القدرة الشرائية للعملة السورية يشكل النتائج الأولية وبصورة مباشرة لقانون قيصر، ما يعني أيضاً اعتراف جيفري نفسه وبمنتهى الصراحة ومن دون أدنى مواربة بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بصدد محاربة الإرهاب الموجّه ضد سورية، بل بمحاربة الشعب السوري والحكومة السورية.

لقد جاء تمادي واشنطن في ممارسة ضغوطها على سورية متزامناً مع معاناة العديد من دول العالم ومن بينها سورية من ظروف اقتصادية صعبة، ازدادت صعوبة بسبب محاربتها لانتشار كورونا، وفيما دعت موسكو إلى الحد من العقوبات الأمريكية والغربية على سورية، تعمل الإدارة الأمريكية على إضافة عقوبات لا إنسانية وغير مشروعة على سورية، تمثلت بإقدام الطائرات الأمريكية على إحراق محاصيل حقول مترامية من القمح السوري في شمال وشمال شرق سورية، الأمر الذي سينعكس سلباً على الأمن الغذائي في البلاد.

ثمة ضرورة للإضاءة على جملة من المواقف الراهنة لواشنطن وأنقرة تجاه المسألة السورية والتي تظهر مدى تناغم تلك المواقف، بل يمكن القول بصورة أدق، مدى التنسيق الدائم بين الجانبين الأمريكي والتركي في التعاطي مع الشأن السوري، ومدى اتفاق الجانبين على تقاسم الأدوار بينهما بدءاً بالممارسات العدوانية ضد سورية، حيث نتابع كيف توسع قوات الاحتلال الأمريكي نطاق انتشارها في شرق وشمال شرق سورية، وكيف تحرق طائراتها محاصيل الحبوب، وكيف سيطرت مع قوات سورية الديمقراطية على مركزي مؤسستي الحبوب والكهرباء في مدينة الحسكة، ونتابع أيضاً كيف توسع قوات الاحتلال التركي نطاق انتشارها في غرب وشمال غرب سورية، وكيف تصر على إنكار حقيقة دعمها للمنظمات الإرهابية في تلك المناطق، وترفض وصف تلك المنظمات بأنها إرهابية، وكيف خفضت منسوب تدفق مياه الفرات إلى الأراضي السورية، بعد إقامة سد (أليسو) العملاق غير آبهة بالقانون الدولي الخاص بتوزيع مياه الأنهار بين الدول المتشاطئة، ولا بالاتفاق المائي الموقع بين سورية وتركيا والخاص باقتسام مياه نهر الفرات، الأمر الذي من شأنه انخفاض القدرة السورية على توليد الطاقة الكهربائية، وانخفاض كميات مياه الشرب في سورية، وغير آبهة بتفاهمات أستانا بينها وبين روسيا وإيران، رغم تأكيدها لهما قبل أيام التزامها بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية، ورفضها جميع المحاولات الرامية لإيجاد حقائق جديدة على الأرض بذريعة مكافحة الإرهاب، وبضمن ذلك مبادرات الحكم الذاتي غير المشروعة، وتنديدها، للمرة الأولى، بالعقوبات أحادية الجانب المفروضة على سورية، في إشارة غير معلنة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، وأن لا حلّ عسكرياً للمسألة السورية، فيما رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن العقوبات الأمريكية الجديدة المفروضة على سورية تهدف إلى (خنق سورية اقتصادياً).

إن العدوان الموصوف الذي ترتكبه الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي والسلطنة العثمانية على سورية، والذي تتصاعد حدته ووحشيته يوماً بعد يوم، يؤكد ضرورة حشد كل الطاقات الممكنة الكفيلة بترسيخ التعاون مع حلفاء سورية وأصدقائها وتطويره والارتقاء به إلى المستوى الكفيل بإسقاط العدوان الاقتصادي عليها، بعد أن أسقطت العدوان العسكري، كما يؤكد ضرورة توسيع إطار اتفاقيات التعاون الاستراتيجي بين سورية وحلفائها لتشمل مختلف مجالات التعاون ولاسيما مجال الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية وتربية المواشي، بما يكفل ضمان الأمن الغذائي للشعب السوري ويوفر على الخزينة السورية عبء استيراد احتياجات المواطن السوري المعاشية، بالتوازي مع العمل الدؤوب إنجاز تسوية سياسية تنهي الأزمة الراهنة وتكفل وحدة الأرض السورية والسيادة الوطنية على ما يحتضنه باطن الأرض السورية من ثروات طبيعية يفتقر إليها العديد من بلدان العالم.

 4/7/2020

العدد 922 - 12/08/2020