العولمة.. لحظة من لحظات التاريخ

يونس صالح:

العولمة، التي أصبحت دارجة في الأدبيات، مازالت تعاني من بعض الغموض، هناك غموض فيما يتعلق بمعنى العولمة وتحقيقها، فهل هي ظاهرة حياتية جديدة مرشحة للاستمرار، أم هي مجرد موضة فكرية طارئة ومصيرها إلى الزوال؟ هل هي حركة تاريخية ستستمر في النمو أم هي فقاعة من الفقاعات التي ولدت لتموت؟ هل العولمة حالة صحية أم مرضية؟ هل هي حركة استعمارية أم تحررية؟ هل ستصب في سياق تحرير طاقات وقدرات الشعوب والمجتمعات، أم ستعمل على تعميق التبعية والهيمنة للدول الكبرى؟ وأخيراً ما هو الموقف الصحيح من العولمة؟ هل المطلوب الانغماس أم الانكماش في وجهها؟ هل ستحتوينا أم سنحتويها؟ هل ستفيدنا تقدماً أم ستضاعفنا تأخّراً؟

ربما كان من السابق لأوانه تقديم إجابات جازمة للتساؤلات العديدة التي طُرحت. فالواضح أن العالم لايزال في بدايات لحظة العولمة، والبدايات عادة ما تثير من التساؤلات أكثر مما تعطي إجابات واضحة، كما أن لحظة العولمة تبدو كأنها مليئة بالفرص التاريخية الكبرى والمغرية، ومليئة أيضاً بالتحديات والمخاطر العالمية الحقيقية.

فرص العولمة كثيرة، ومخاطرها كثيرة أيضاً، والموقف تجاهها ليس بالضرورة واضحاً كل الوضوح.

الواضح الوحيد أن لحظة العولمة ليست ثابتة ولا مستقرّة، بل مزدحمة بالتحولات الكبرى التي ربما تفوق كل ما حدث من تغير في التاريخ خلال الـ2000 سنة الأخيرة. إن التحولات المصاحبة لبروز لحظة العولمة عميقة الأحداث والتطورات الحياتية.. كما أخذ يتضح أن ذهن الإنسان المعاصر قد أصبح عاجزاً عن متابعة التحولات الحياتية والفكرية التي تتدفق خارج سياق أي تحكم بشري، ومجاراة هذه التحولات وفهمها. إن هذه السرعة في المستجدات العالمية هي واحدة من أبرز معالم العولمة، وهي التي ستجعل منها لحظة من لحظات التاريخ الحضاري، هي لحظة مهما طالت أو قصرت، لقد سبقتها لحظات وستتلوها لحظات أخرى.

إن العولمة هي مجرد فصل من فصول التاريخ الحضاري العالمي، لكن هذا الفصل لم تتم كتابة محتواه كاملاً بعد، بل هو الآن قيد الكتابة. إنها عنوان هذا الفصل الجديد الذي لا يُعرف بعد مضمونه بالكامل حتى لدى من يبدو الآن وكأنه يكتب الكلمات والفقرات الأولى في فصله ويُعمل الفكر من أجل تفسير بداياته ونهاياته.

إن العولمة إذاً، هي لحظة من لحظات التاريخ الحضاري العالمي، وهي متداخلة أشد التداخل، إنها شبيهة في بداياتها وربما في تداعياتها الحياتية والفكرية بحركة الحداثة التي برزت قبل نحو 300 سنة، والتي انتشرت إلى كل المجتمعات، وأسست لمفاهيم وقناعات ونظم حديثة، وهي استمرار واكتمال لموجة الحداثة الأولى وتجاوز لها، في اتجاه دمج العالم وتوحيده اقتصادياً وسياسياً وحضارياً.

لقد أصبحت العولمة أكثر وضوحاً على أثر التحولات والتطورات الحياتية والفكرية التي شهدها العالم خلال أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحادي والعشرين، وجاءت هذه التحولات متدفقة وفجائية وتأسيسية، كما جاءت فاصلة للحظة تاريخية أوشكت على الانتهاء، هي لحظة الحداثة الأولى، ومؤسسة للحظة حضارية مختلفة سياسياً واقتصادياً وعلمياً ومعرفياً عما كان قائماً حتى الآن.

فالعولمة في شقّها السياسي هي محصلة للتحولات في النظام السياسي العالمي التي أدت إلى استفراد قوة عظمى بالشأن السياسي العالمي لفترة طويلة، ولاتزال تسعى لذلك، دون وجود منافس كبيد يعيد التوازن للساحة السياسية الدولية، وهي في شقها الاقتصادي محصلة لبروز التكتلات التجارية العالمية الكبرى والتغيرات العميقة في سوق العمل وأساليب الإنتاج وبروز القوى الاقتصادية والصناعية الجديدة والسرعة النمو.. كما أنها في شقها الإنساني تتمحور حول مجموعة القضايا الإنسانية المشتركة، ومنها الانفجار السكاني والفقر والمجاعة والمشكلات البيئية العالمية المعاصرة وقضية حقوق الإنسان وحرياته السياسية والمدنية، وقضية تفاقم الفجوة بين الشمال الغني الذي يزداد غنى والجنوب الذي يزداد فقراً.

أما العولمة في شقها العلمي والمعرفي فإنها تستمد حيويتها الحقيقية من الثورة العلمية والمعلوماتية التي أخذت تكتسح العالم بمعطياتها الباهرة في مجال الهندسة الوراثية وتطوير الأجيال الجديدة من الحواسب الآلية، والاقتراب من أصغر الجزئيات المكونة للمادة، والغوص عميقاً في الكون، والمستجدات المعلوماتية والاتصالية التي توشك أن تفتح آفاقاً معرفية لا متناهية للإنسان المعاصر.

لقد أسست هذه التحولات السياسية والاقتصادية والعلمية والمعلوماتية للحظة حضارية جديدة هي لحظة العولمة التي تزامن بروزها مع نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، إنها لحظة متداخلة أشد التداخل، ومليئة بكل الاحتمالات المقلقة، خاصة إذا كانت تعني تزايد انقسام العالم اقتصادياً إلى دول غنية تزداد غنى ودول فقيرة تزداد فقراً.. وهي مقلقة إذا كانت تعني تزايد هيمنة ثقافة واحدة ووحيدة وقيامها بتهميش الثقافات الحية الأخرى في العالم، وهي مقلقة إذا كانت تتجه نحو صدام الحضارات الذي ربما سيؤدي إلى اندلاع حروب أكثر عنفاً ودموية من كل الحروب التي شهدتها البشرية، وهي مقلقة إذا كانت تدفع في اتجاه المزيد من اغتراب الإنسان المعاصر وعدم قدرته على التحكم في التحولات وعجزه عن مسايرة المستجدات الحياتية والفكرية السريعة والمتلاحقة، وهي حتماً مقلقة إذا كانت تتضمن استفراد الولايات المتحدة بالشأن العالمي، الأمر الذي يعني أنها ربما كانت مجرد تعبير آخر عن أمركة العالم.

مهما كانت حقيقة العولمة، فمن الواضح أنها تتطلب عقلية جديدة، لا يمكن التعامل مع هذه المستجدات الحياتية والفكرية سوى بعقلية جديدة قائمة على أسس معرفية جديدة ومسلمات فكرية وأدبية وفنية متجددة بتجدد الوقائع والمعطيات العالمية، لا يمكن التعامل مع حقائق القرن الحادي والعشرين بشعارات القرن الماضي، كما لا يمكن الإعداد للمستقبل بالعودة لماضي، ولا أن نكون فاعلين ومؤثرين في النظام العالمي الجديد من خلال التمسك بثوابت النظام القديم، وأيضاً لا يمكن مجاراة العالمية بالتعصب للذاتية الحضارية، أو تحدي العولمة بالقوقعة، ولا بالانكفاء والانكماش في عصر الانفتاح والانغماس.

لقد أصبحت العولمة بكل فرصها وتحدياتها إحدى الحقائق المعاصرة، الغامضة، والتي تثير المشاعر المتباينة التي تتراوح بين المرحب كل الترحيب، والرافض كل الرفض، وتلك المواقف الوسطية والتوفيقية بينهما، والحقيقة أن لكل موقف من هذه المواقف الثلاثة حسناته وسيئاته، إلا أن المطلوب أن تتعايش هذه المواقف والتيارات وتتحاور حواراً سلمياً حضارياً ضمن مناخ حر وتعددي وديمقراطي دون أن ينفي أحدهما الآخر.

إن المطلوب إجراء حوارات على أرض الواقع بين أصحاب هذه المواقف والتيارات التي تسعى ليقضي بعضها على البعض الآخر، لا يمكن تخيل في أي لحظة من اللحظات أن يصبح كل أفراد المجتمع على موقف واحد. إن المعطيات الحياتية هي التي تحدد مدى انتشار أو تقلص هذا الموقف أو ذاك، ومن الطبيعي آنذاك أن تحدث تغيرات وتحولات في المواقف على ضوء هذه المعطيات، وبالتالي يمكن أن يتحول الصراع هنا إلى حوار، ويؤدي ذلك إلى تأسيس رؤية كونية هي حصيلة التفاعل الحي والحر بين المواقف المختلفة في مجتمع يؤمن بالتسامح والتعددية ويتفاعل تفاعلاً إيجابياً مع لحظة العولمة.

العدد 921 - 29/07/2020