واشنطن ترفع درجة حرارة حربها الاقتصادية على الصين

د. صياح عزام:

يمكن القول إن الحرب الباردة قد تجددت هذه الأيام في صورة استقطاب اقتصادي وتجاري وعلمي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وبطبيعة الحال المسؤول عن تحديدها واشنطن وتحديداً الرئيس ترامب.

فرغم الانكفائية الأمريكية التي تتعاظم بعد جائحة كورونا، تستمر إدارة الرئيس ترامب في الدفاع عن مصالحها الخاصة في العالم، بذريعة أن الصين تهدد هذه المصالح، وفي الحقيقة ليس الدفاع عنها فقط، بل محاولات الحدّ مما يسمونه إلحاق الأذى بها من القوى المنافسة ومنع وصول هذه المنافسة إلى مناطق النفوذ الأمريكي المعروفة، الأمر الذي يشير إلى أن الانكفائية الأمريكية لا تعني الجنوح إلى السلام والهدنة والتوقف عن إثارة الحروب والفتن هنا وهناك، بل تعني المزيد من الذعر والعدوانية ومنطق الهيمنة على الآخرين.

جدير بالذكر أن الاستقطاب الدولي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية انتهى منه الاستقطاب الإيديولوجي والعسكري عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، أما استقطاب اليوم فهو تجاري واقتصادي وعلمي وتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، بدءاً من مطلع العقد الحالي، وإن ظل غير صدامي، فجاء الرئيس ترامب ورفع من حرارة هذا الاستقطاب وخلع عليه قدراً من الحماقة السياسية المصحوبة بتهويل إعلامي من (الخطر الصيني المزعوم) من خلال دبلوماسية التوتير المستمرة التي يتبعها.

بطبيعة الحال، لم تخسر الصين وحدها في حرب ترامب التجارية ضدها منذ عام 2018 بفرض رسوم جمركية على سلع صينية تبلغ قيمتها خمسين مليار دولار، بل خسرت فيها الولايات المتحدة أيضاً حين فرضت الصين رسوماً على أكثر من مئة وعشرين منتوجاً أمريكياً.

ويدّعي تامب بأن ما دفعه إلى فرض هذه الرسوم هو أن الصين هي المسؤولة عن العجز التجاري الذي يعانيه الاقتصاد الأمريكي في أكثر من مجال، في حين أن هذا العجز ناجم عن تحول عميق في بنية الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الحالي من دولة منتجة إلى دولة مستهلكة للمنتوجات الأجنبية، خاصة منها الصينية، وهذا ما يقوله خبراء اقتصاد صينيون وغربيون محايدون.

ولكن هذه الحرب الاقتصادية بين أمريكا والصين لم تقتصر على المجال التجاري، بل تعدته إلى التكنولوجيا والإنتاج التكنولوجي، إذ تحاول واشنطن الحد من التقدم الصيني في هذا المجال. وبالرغم من أن الولايات المتحدة تكاد تحتكر صناعة تكنولوجيا المعلومات بواسطة شركاتها الكبرى (آبل، غوغل، أمازون، فيسبوك) إلا أنها أبدت ضجراً وضيقاً شديدين من التقدم التكنولوجي الصيني الهائل، ولجأت إلى اتخاذ قرار حظر على منتجات شركة هواوي الصينية في الولايات المتحدة في شهر أيار 2019.

وما من شك في أن الصين لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الحظر الأمريكي، خاصة أنها (أي الصين) تراهن في صعودها الاقتصادي على احتلال المركز الأول في العالم.

وبعد انقشاع غبار جائحة كورونا، سيشتد الصراع بين الدولتين، ويأخذ أشكالاً أكثر حدة مما هو عليه الآن، وما يعزز ذلك ما توحي به حملات ترامب وأركان إدارته في البيت الأبيض على الصين، ومحاولات تحميلها المسؤولية عما يسمونه (إخفاء للمعلومات) عن فيروس كورونا، علماً بأن هذا الاتهام الأمريكي تنفيه الصين ودول أخرى كثيرة وازنة، حتى أن منظمة الصحة العالمية نفته أيضاً، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي ترامب إلى فرض العقوبات عليها، وشن حملة افتراء ادعائية ضدها باتهامها بأنها منحازة إلى الصين.

ولكن الحملات الدعائية هذه ضد الصين فيما يتعلق بجائحة كورونا لم تلق نجاحاً في أنحاء العالم، بل على العكس من ذلك، وكلما تعاظمت هذه الحملات ضد الصين، تعاظم واتسع الاحترام والتقدير لها بين دول العالم ولعلو منزلة نظامها الصحي والتكنولوجي ونجاحه الكبير في مواجهة امتحان كورونا، وفي تقديمها المساعدات الطبية الهائلة لدول العالم التي اجتاحها الوباء من دون أي مقابل أو شروط.

إذاً، يمكن القول- كما يتوقع العديد من الخبراء والباحثين- إن فشل الإدارة الأمريكية في التصدي لجائحة كورونا ودخول الاقتصاد الأمريكي في حالة من الكساد والوهن وما يترتب على كل ذلك، إضافة إلى الاضطرابات والتظاهرات التي عمت الولايات والمدن الأمريكية احتجاجاً على مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية (جورج فلويد)، كلها أسباب تؤكد أن الحرب الاقتصادية الأمريكية على الصين لن تتوقف، ولكنها ستلاقي المزيد من الفشل، وستمضي الصين في صعودها الاقتصادي والتكنولوجي السريع.

العدد 917 - 1/07/2020