أبي جسر العبور إلى حياتنا

وعد حسون نصر:

الأب جسر يعبر فوقه الأبناء باتجاه المستقبل، وهذا يأتي من مكانة الأب في الأسرة، لأنه العمود الذي تُبنى عليه وركن أساسي من أركانها، فهو بمثابة القاعدة الأساسية للأسرة، لا يمكن أن نولد مُكللين بالأخلاق أو نعرف الخطأ من الصواب منفردين، إنما نكتسب هذه المبادئ اكتساباً، وهذهِ طبعاً مهمّة الأب والأم في زرع القيم والمبادئ فينا.

كثيرون منّا يظنُّون أن الأم هي الشخص الوحيد في المنزل المسؤول عن تسيير الأمور، طبعاً نتيجة وجودها المستمر في المنزل، وأمامنا هي الشخص الوحيد الذي نلقي عليه طلباتنا ونخبره بما نريد وما حاجاتنا، وننسى الأب بسبب غيابه عن المنزل متجاهلين تبرير هذا الغياب، الذي سببه مطالب الحياة وضرورة العمل لساعات طويلة لسدِّ هذه المطالب، ممّا يجعلنا دائماً نرى الأب أنه هذا الشخص المُتهكِّم الذي يدخل المنزل والعقدة بين حاجبيه، نخشى أن نطلب منه شيئاً، دائماً نتأفّف من مطالبه لأننا نظنُّ أنه يلقي الأوامر علينا فقط، بينما هو طوال الوقت بعيد عن مشاكلنا. لكن هذا التفكير مغلوط جداً، فهو أكثر شخص منهمك في مشاكلنا يسعى لتحقيق مطالبنا. لكن، لا يمكن أن يكون كل الآباء بالسوية نفسها من الإحساس بالمسؤولية، هناك آباء يتخلّون عن مهامهم ويلقون أعباء الحياة على الأم، يغادرون بحجّة سوء الحظ، ويقلّصون المصاريف على أبنائهم تحت ذريعة سوء الفرص، إلاّ أن هؤلاء الآباء الذين يفكرون بهذه الطريقة قلائل، نعم، من العالم المحيط بنا نرى تجارب كثيرة على أرض الواقع، ومن ذلك أب غادر بيته بذريعة السفر ونسي الزوجة والأبناء، لا يطمئن عليهم تحت ذريعة الظروف الصعبة وقلّة العمل والمال، وبعد غياب طويل وبعد أن يكون الدهر قد رسم خطوطه وألمه على وجه الزوجة لترسم مستقبل أولادها وتسير بهم نحو الحياة، يعود الأب من جديد منهكاً لا يملك إلاّ معالم الدهر وخطوط العمر، والمجتمع يفرضه على الزوجة والأبناء بحجّة أنه لم يلقِ بيمين طلاق ولم يُطلّق وله حق في المنزل. في هذه الحالة، أين هذا الحق إذا كنت أنت أيها الأب تركت خلفك الزمن وسرت وحدك للمستقبل، وبعد أن أصبح المستقبل خلفك عدت من جديد لتُعيد الزمن وأنت تعلم أنه من المستحيل أن يعود بنا الزمن؟!

طبعاً هذه أمثلة عن بعض الآباء المستهترين بكل شيء يخصّ الحياة الزوجية الأسرة، ولكن بالمقابل هناك من أفنى العمر ووصل الليل بالنهار ليُقدّم لأبنائه الراحة والحياة الكريمة، وليزرع الأمل في عيونهم بعيداً عن ضيق فسحته في الحياة. الكثير من الآباء توفيت زوجاتهم وكانوا لأبنائهم الأم والأب رغم الفراغ الكبير الذي تركته الأم، ففي الحيّ الذي أقطنه أعرف آباء أكملوا مسيرة الأم بعد وفاتها بكل الإمكانيات ليملؤوا فراغها في حياة أبنائهم، ولم يفكّروا بأن تحلّ امرأة أخرى محلها، ومضى العمر ومازالوا يُغطّون هذا الفراغ بعد أن زوّجوا أولادهم وباتوا أجداداً، ولم تخطر ببالهم فكرة زوجة أخرى، بل على العكس كانوا هم الأم والأب للأبناء، والجدّ والجدّة للأحفاد.

لا يمكن أن نلغي دور الأب ضمن الأسرة وخاصةً أنه الركن الأساسي فيها، وأنه لا يقلُّ عاطفة عن عاطفة الأم وإن كانت معالمه غامضة خطّ الزمن عليها أعباءه، لكن روحه تعطي الحب بلمسة يده وتعبه وجهده، لا تظن أن أبوك بعيد عنك بغيابه، فهذا البعد يحضر في حقيبة مدرستك في سروالك الجديد في قميصك الوردي في لفافة الخبز الطرية، لا تظنّ أنه لا يشعر بحزنك، فالشعور مُتجسّد بالنقود الموضوعة تحت وسادتك وأنت نائم لتستيقظ صباحاً وتشتري لوازمك، لذلك يجب ألا نظلم الأب وإن كان البعض من الآباء بعيداً عن شعور الأبوة والأسرة، لكن الأغلبية مجبولة بالعطاء والعطف، تبتعد بالجسد لتقترب منّا بالروح لتأتي مع كل شيء جميل نمتلكه. غيابه ساعات عن المنزل هو لراحتنا وخاصةً إن كانت الأم غير عاملة، لأن المصاريف كبيرة بحجم التعب والعذاب.

فكونوا يا أيها الأبناء عوناً لآبائكم، فالتجربة ستتكرر وتعيشونها أنتم مع أبنائكم، وهنا يصبح للتبرير غاية، وللبعد متعة لأنك أنت الآن أب وتشعر بقيمة الأب، لا تدع الفرصة تتأخر لتعرف خوف والدك عليك، كن سندهُ ليكون ابنك سندك.

لروح أبي السلام، فما زلت أذوق طعم العطف بين ذراعيك وخاصةً عندما تضيق الحياة، ما زلت أراك الجبل وإن غيّبك الموت، فكل عيد أنت وكل الحب لك، فما زالت معالمك وملامح الزمن على وجهك جسري إلى حياة جميلة.

العدد 917 - 1/07/2020