أيها الأب.. أيُّ دورٍ تريد؟

ريم داود:

الأب هو الصديق الصدوق، هو الأخ الحنون والرفيق الدائم، هو ذاك الرجل الشُجاع الذي يلجأ إليه الأبناء في ضعفهم، خوفهم، عجزهم وسقطتهم، ليكون لهم المعين والسند، المكافح والمناضل، ويكون لهم الجندي الباسل الذي لا يعرف الكلل ولا الملل.

يُقام في الـ ٢١ من حزيران من كل عام احتفالٌ جماعي خاص بتكريم الأب، تقديراً له على الجدِّ والعطاء الذي يبذله ويقدمه لأسرته، ويأتي هذا الاحتفال على غرار الاحتفال الذي يُقام للأم في عيدها.

والسؤال الذي يُطرح في ظلّ هذه التطورات والاحتياجات الأسرية المُتزايدة:

ما هو دور الأب داخل الأسرة؟ وهل تقلُّ أهمية الأب ومكانته عن أهمية الأم ومكانتها في حياة الأبناء؟ ما هو الدور الأمثل والواجب تحقيقه من قبل الآباء تجاه أسرهم وأبنائهم لينعموا بالاستقرار والراحة؟

لطالما ارتبط مفهوم التربية وخاصة في مجتمعنا الشرقي بحضور المرأة/ الأم، فعندما نتحدّث عن الطفل نتحدّث تلقائياً عن الأم مُغيّبين أو مُتجاهلين دور الأب وأهميته في بناء شخصيات الأطفال وتربيتهم. ولمّا كانت الأسرة مكوّنة من (أب، أم، أبناء) وجب عليها أن تسير وفق منهجية خاصة تعمل على تقوية روابط العلاقة فيما بين جميع هذه المكوّنات، والتناغم بين أفرادها بهدف تحقيق السعادة المرجوة.

 يظنُّ بعض الآباء أن دورهم يقتصر على تأمين الحاجات الأساسية للعائلة (مأكل، مشرب، مسكن… الخ) مُتناسين ومُتجاهلين الدور الأهم والمُتمثّل في الجانب الاجتماعي والنفسي، الذي له الأثر الكبير في تحقيق التوازن والتكامل الأسري. فالصحة النفسية للأبناء تكاد تكون أهم من الصحة الجسدية، إذ معها يصحُّ العقل والقلب، ويظهر ذلك جليّاً في سلوك الأطفال سواء بالإيجاب أم بالسلب. إن غياب حضور الأب في الأسرة، أو الحضور التسلّطي له، يؤدي إلى نتائج سلبية حتماً على حياة الأطفال، لأن الأبوة ليست تسلّطاً بالضرب والتأنيب، أو بفرض العقوبات الجائرة بحجّة التربية، مثلما أنها ليست بالتساهل، واللامبالاة وعدم الاهتمام بواقع الأبناء وظروفهم وحاجاتهم المتنامية، وترك مسؤولية التربية بالمطلق على عاتق الأم. إن إحساس الأبناء بوجود رادع لهم يجعلهم على حذر من الوقوع بالخطأ، ويتجلّى هذا الرادع في شخصية الأب ولاسيما في مراحل عمرية حرجة من مراحل النمو عند الأبناء (المراهقة والبلوغ) التي تفرض على الأب حضوراً تامّاً في حياة أبنائه، فقد أثبتت دراسة مطوّلة عن التفاعل الوجداني بين الأب والرضيع، أن هذا التفاعل يُساعد على النمو العقلي والنفسي السليم للطفل، وأنه كلّما زاد هذا التفاعل بينهما، قلّ ظهور المشاكل السلوكية عند الأطفال في أعمار مُتقدّمة، والعكس صحيح.

إن أشدَّ ما يُعانيه الأطفال في حياتهم هو خلوّ البيت من الأب، لأيّ سبب كان (وفاة، مرض، طلاق، زواج من أخرى وترك الأسرة الأولى، هجرة للعمل خارجاً ولوقت طويل). ولعلّ هذه الأخير تُشكّل أضراراً كارثية على بنيان الأسرة وحياة الأبناء، ذلك أن الأب موجود وغائب في الوقت ذاته. لا يقتصر دور الأب كما ذكرنا على تأمين الحاجيات الأساسية، بل على الآباء أن يولوا أبناءهم العطف، الحب، الرعاية والحنان اللازم لتكوين شخصية مُتكاملة مُتوازنة تساعدهم على الاستقلال والانطلاق في المجتمع نحو المستقبل، فعلى الآباء أن يرعوا أبناءهم رعاية نفسية وجسدية خاصّة في حال غياب الأم لأيّ سبب كان (وفاة، مرض، طلاق، خروج للعمل… الخ)، فالطفل يشعر بحبِّ أبيه كما يشعر بالرضا والسعادة والطمأنينة عندما يرعاه والده.

ووفقاً لما طُرح أعلاه، لابدّ أن نذكر الآثار السلبية الناتجة عن غياب الأب في حياة الأسرة والأبناء وهي تتمثّل بما يلي:

  • –        يؤثّر في نمو الطفل وثقافته وشخصيته.
  • –        اضطراب في التوازن العاطفي والنفسي.
  • يؤثّر في استقلال شخصية الطفل واعتماده على نفسه.
  • يؤثّر في مستوى التحصيل العلمي والمعرفي للأبناء.
  • يؤثّر في اكتساب الطفل للدور الاجتماعي اللازم (ذكورة، أنوثة).
  • يؤدي إلى اضطرابات سلوكية وجنوح عند بعض الأبناء أحياناً.

وأخيراً، خلاصة القول: إن للأب دوراً هاماً في حياة أسرته عامة وأبنائه خاصة، ويتجلّى هذا الدور في تحصيلهم الدراسي، ونموهم الانفعالي، والجسدي، والاجتماعي والعقلي، كما يظهر جليّاً في سلوكهم العام، فأيُّ دورٍ اخترت أنت أيها الأب؟

العدد 917 - 1/07/2020