معركة العيش في كل يوم

ولاء العنيد:

إنها تعمل، ولها ثلاث سرعات، هواؤها منعش، امتلكها من عدة سنوات، ما زالت جديدة، لم تحتج إلى إصلاح قطّ.

هذه الكلمات سمعتها على طول الطريق وأنا أسير بخطاً بطيئة لأتابع حال هذا الرجل الذي يحمل مروحة هواء كهربائية بيده، ويدور بها يعرضها على المحال التي يصادفها من صيدلية إلى ميكانيكي إلى فرن إلى محل وجبات سريعة، وهمّه الوحيد أن يبيعها ويحاول إقناع أحد ما بشرائها مقابل ٧٥ ألف ليرة، ليسد بها إيجار منزله الذي لم يعد يستطيع أن يؤمّنه، بعد أن استنزف مدخراته في الحجر الصحي وبقي بلا عمل.

وفي المحل التالي يدخل طفل ليطلب مثلجات، ويسأل صاحب العمل: (عمّو أديش حق طابة البوظة؟)، وهو يحمل بيده ٢٠٠ ليرة.

يجيب البائع: ٣٥٠، فيشيح الطفل نظره يائساً بعيداً عن حلمه الذي تبخر بسبب الغلاء، فأهله غير قادرين على زيادة مصروفه أكثر، بينما أصبح لا يلبي أصغر أمنياته بشراء كرة مثلجات واحدة.

تصادف من جديد أمّاً تمسك بيد طفلتها الصغيرة وتسير في وسط الزحام، فتتعلق عينا الطفلة بأكلتها المفضلة (الشاورما) وتصر على والدتها ببراءتها أن تجلب لها واحدة منها، فلم يسبق أن رفضت أمها لها طلباً. تجيب الأم بصوت يخفي قلة حيلتها: ليس اليوم، في المرة المقبلة! وتسحبها بسرعة وتشغلها بالإشارة إلى معرفة ألوان السيارات المارة.

ضائقة مالية قاسية يعاني منها السوريون في هذه الفترة تدفعهم إلى التقشف والتقتير أكثر من أي يوم مضى، فالأسعار في تضاعف دائم وسريع والدخل قليل وأصبح لا يؤمن أبسط وأهم الاحتياجات الأساسية، وقد تحولت بالنسبة للبعض إلى كماليات. حتى من كان يتصف بأن دخله يكفيه تحول اليوم وبسبب الغلاء إلى شخص يشتكي بأنه لا يستطيع أن يجاري ارتفاع الأسعار، فكيف هو حال من كان ينتمي للطبقة الفقيرة والمتوسطة التي سحقت بشكل كامل هذه الفترة، وأصبحت تتبع نظام الوجبة الواحدة البسيطة في جميع أيامها؟!

هذه حالات تتكرر يومياً: رجال يبحثون عن مشترين لأغراض منازلهم الأساسية، لتأمين طعام أطفالهم، وأمهات يبحثن عن عمل ولو بأجر زهيد لمحاولة المساعدة في توفير احتياجاتهم اليومية الضرورية، فلم يعد حلمهم يتجاوز رغبتهم في العيش كل يوم بيومه، في بلد تشد أوضاعه المعيشية والاقتصادية الخناق بقوة على الجميع، ولم يعد باليد حيلة سوى تفعيل دور الجمعيات الخيرة أكثر من السابق والبحث المستمر عن الناس المتعففة المحتاجة ومساعدتهم يشكل دائم ريثما تنجلي هذه الغمة التي نأمل أن لا تطول.

العدد 917 - 1/07/2020