الرياضيات لا تكذب


د. أحمد ديركي
:

منذ الصغر تُدرّس مادة الرياضيات، ومع تقدم المرحلة الدراسية تتقدم الرياضيات وتزداد تعقيداً للبعض، ويغرم بها البعض الآخر.
ولكن الملاحظة اللافتة للنظر، والجميلة أيضاً، ثبات الأُسس الرياضية وتطورها مع التقدم في المرحلة الدراسية.

فعلى سبيل المثال، عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة، العمليات الرياضية الأربع الأساسية، إلى حد ما، لا تتغير. فإن كنت في الصف الأول الابتدائي فإن 1 + 2 = 3، وإن صرت في مرحلة متقدمة من دراستها تبقى القاعدة نفسها. كما أن الرياضيات تدخل، تقريباً، في كل العلوم بصرف النظر عن تسمية هذه العلوم سواء كانت علوماً إنسانية أو طبيعية. كما تدخل في كل مناحي حياتنا العملية اليومية.
لن نذهب هنا إلى الرياضيات التجريدية وما شابه من علومها المتقدمة، ولكن سوف نبقى في الجزء اليسير والبسيط منها، سهل إلى حد أن طالباً في الصف الرابع الابتدائي يمكنه فهمها، ولنرَ كيف أن الرياضيات لا تكذب ومن يحاول تكذيبها إنما شخص واهم متوهم وإن صدقه البعض وصفق له في لحظة من اللحظات، سواء من نطق باسمها ليكذبها أو تحدث باسمه الشخصي أو باسم ما يمثل.

من ضمن المجالات التي تدخلها الرياضيات لتصحح سيرها مسألة الأجور!
فالأجر، بأبسط تعريف له، هو ما يتقاضاه العامل مقابل بيع قوة عمله. ولن ندخل هنا في مسألة الاستغلال من المشتري للبائع، أي من قبل الموظِّف للموظَف. ومن ضمن الشروط الأساسية لمفهوم الأجر أن تكون قيمته كافية لشروط إعادة إنتاج بائع قوة عمله.

ومن شروط إعادة الإنتاج لبائع قوة عمله أن قيمة الأجر تغطي: الطعام، والسكن، والملبس، والنقل، والطبابة، وتكوين الأسرة، وهنا يدخل التعليم ضمناً.

إن لم تغطِّ قيمة الأجر تكاليف هذه الشروط الأساسية فهذا يعني وجود خلل في بنية المجتمع القائم يُفقد المجتمع (الأمن الاجتماعي)، الذي يولّد إضرابات قد تؤدي إلى انهيار الهيكل برمته بكل تفرعاته.

فما الذي يحدث وفقاً للرياضيات:

الطعام: أقل وجبة طعام تكلف 4000 ليرة/ يومياً، بالحدود الدنيا للقيمة الغذائية (أي 120000 ليرة شهرياً، على اعتبار كل الأشهر 30 يوماً).

أقل إيجار منزل في مدينة دمشق 75000 ليرة/ شهرياً، وغالباً ما يُطلب أجر ستة أشهر سلفاً! (هنا لن نذكر تكاليف فرش المنزل، والكهرباء والماء، والصيانة المنزلية).
الملبس: لا يقل ثمن البنطال والقميص عن 15000 ليرة (من أسوأ الصناعات الممكنة، من دون ذكر ملابس الشتاء! وسوف يرتدي البنطال والقميص عينه طوال الشهر من دون غسيل لأنه لا يمكن شراء غيرهما لحين أن يتقاضى أجر الشهر القادم).

النقل: 50 ليرة أجرة الباص باتجاه واحد (أي بحاجة إلى 2000 ليرة للتنقل في الشهر كحد أدنى).
الطبابة: لأنه بائع لقوة عمله وبعمر الشباب، فالأمراض قليلة ويمكن أن تحذف! وتكوين الأسرة ليس بحاجة ولا الأطفال بحاجة لهم لكونهم يمثلون فائضاً سكنياً، في بلد يعاني من نقص في سكانه، وبخاصة في الفئة العمرية الشابة! يمكن أيضاً حذف مسألة تكوين الأسرة!

رياضياً هذا يعني المطلوب، كحد أدنى وأقل كثيراً، للأجر الشهري أن يكون: 212000 ليرة شهرياً للفرد بائع قوة عمله، من دون احتساب نسب التضخم.

في المقابل ما الذي يحدث؟ متوسط الأجور الشهرية في معظمها لا يتخطى 50000 ليرة شهرياً، إن كان بائع قوة عمله محظوظاً في الحصول على هذا الدخل!
أي الفارق ما بين الموت والبقاء على قيد الحياة هو 162000 ليرة شهرياً! كيف يغطى هذا الفارق؟ هنا نأتي إلى مسألة أن الرياضيات لا تكذب!

يغطى الفارق من ما نسمعه يومياً من خطب رنانة، لا علاقة لها بالرياضيات، حول محاربة الفساد والفاسدين وآليات لمحاربة الفساد والفاسدين و… ومن المصفقين لهذه الخطب الرنانة وناشري أخبار تؤيد هذه الخطب! طبعاً لن ندخل هنا في طبيعة العلاقة ما بين الدخل والاستهلاك وما لهذا من دور في عملية إنعاش الاقتصاد الوطني، وتصحيح الخلل الاجتماعي وضمان (الأمن الاجتماعي) وما إلى هناك من أبعاد أخرى لمسألة مستويات الدخل على كل الصعد.

العدد 917 - 1/07/2020