الطفل وما يدفعه من ضرائب… إلى متى؟

يارا بالي:

الطفولةُ هبةٌ من هبات الرحمن، فيها البذور الأولى للتكوين البشري، وفيها مرحلة التأسيس، وعليها تُبنى شخصية الإنسان وطباعه، فهي حجر الأساس في المجتمعات، وهي التي تُحدّد صلاحه، إن نشأ الطفل في أسرةٍ سويةٍ تحتويه وترعاه، والأهم من هذا أسرة تحميه.

فما هي حقوق الطفل التي تضمن له العيش في بيئة سليمة؟؟ وهل أخذ الطفل ما يحتاجه منها حقاً على أرض الواقع، أم أنه إلى اليوم يدفع أثمان أخطاء لم يقترفها؟؟

شغل ملف الطفولة والعناية بالطفل الرأي العام منذ مئات السنين، ودعت المنظمات الإنسانية إلى حماية الطفل ورعايته، حمايةً ترفع عنه الظلم، وترحم ضعفه، وقلة تجربته، فقد نصّت اتفاقية الأمم المتحدة لحماية الطفولة على مجموعة حقوق أساسية، وجب تأمينها لأيّ طفل، بغضّ النظر عن لونه أو جنسه أو دينه، وممّا جاء في الاتفاقية: لكل طفل الحق في التعليم، والحياة والعيش الملائم، كما له الحق في الرعاية والخدمات الصحية، والمعاملة الإنسانية، وعدم التمييز والتحرّر من التعذيب، وله حرية الرأي والتعبير، والفكر والدين والوجدان. وقد أقرّت الأمم المتحدة في الاتفاقية أن سنَّ الرشد يبدأ من عمر الثامنة عشرة فما فوق، حرصاً على اكتمال تكوين الطفل الجسدي والعقلي، وإبعاداً له عن أيّة خشونة أو تجربة قاسية قد تؤذيه. لكن تبقى الاتفاقية وما نصّته من حقوق حبراً على ورق، إن لم تجد صدىً لها على أرض الواقع وفي حيّز التطبيق. فاليوم وبعد ما يُقارب عشر سنوات من الحرب السورية وما جلبته من قتلٍ و دمار، وفقرٍ وتهجير، يبقى الخاسر الأكبر هو الطفل، فبدلاً من أن يكبر الأطفال على وقع حياةٍ آمنة مستقرة، فيها الرعاية النفسية والصحية وكل دوافع النماء والإبداع، فقد كبرت تلك الأجيال على وقع صليل السلاح وصوت المدافع، وغدا الطفل يتقاسم الهموم مع أبويه، فقد سلبت الحرب وأزماتها من الطفل حتى براءته، وزادت حالات التشرّد، والتسوّل، في الشارع السوري، كما دفع الفقر الشديد بالأطفال إلى ترك المدارس وحقوقهم بالتعليم، والالتحاق بأعمال لا تناسب ضعفهم، وطراوة أجسادهم، ليكونوا بذالك لقمة سهلة في أفواه الظلّام والمستغلين، فضلاً عن حالات الإدمان التي انتشرت بين الأطفال كنتيجة طبيعية للتشرّد والاستغلال وغياب الوصي الحامي لهم، ومن الآثار الكارثية للحرب على الطفل، تعرّضه لخطر الاستغلال بتجارة الأعضاء، ولمخاطر التحرّش الجنسي، وكل أشكال العنف اللفظي والجسدي.

واليوم، وبعد تكالب الأزمات في الشارع السوري، وازدياد الضغوط والمحن، وحلول جائحة كورونا على العالم، وما حمله هذا الوباء من خطورة كبيرة ولاسيما في ظلّ الظروف الاقتصادية الراهنة، والعقوبات الأمريكية الجائرة المفروضة حالياً، غدا الطفل عرضة، وبشكل أكبر بكثير من ذي قبل، لمخاطر العمالة والاستغلال، فكلما زادت الضغوط الاقتصادية، تراجعت القوة الصحية، وتراجع معها المستوى المعيشي، بالتالي زادت ملفات الطفولة خطورة.

 وهنا لا بدّ من ذكر الصورة المجتمعية الإيجابية، الّتي نراها في أغلب المخاطر التي يمرُّ فيها المجتمع السوري، فهو يمثل بقعة ضوء واضحة تحمل ملامح للحلّ، فقد نشطت في سنوات الأزمة جمعيات حماية الأسرة، والطفل، وتمكين المرأة، كما زادت فعاليات الجمعيات الخيرية في مجال الرعاية الصحية، القائمة بأغلبها على التبرعات، فمنها ما قدم الدعم النفسي، ومنها الاجتماعي كدور الأيتام، ومنها الصحي.

ممّا لا شك فيه أن الطفل أمانة، وحمايته واجب مفروض على كل إنسان مسؤول، لبناء مجتمع سليم تسود فيه قيم العدل وتجد فيه مكارم الأخلاق مكاناً. وكلنا أمل في واقع أفضل يعيش فيه الطفل بأمان.

العدد 937 - 25/11/2020