تُسرق أحلام طفولتهم وسط إهمال وفساد.. عمالة الأطفال سرطان يستفيق مع كورونا

أنس أبو فخر:

منذ ثلاث سنوات ونيّف، كنت جالساً في حافلة النقل وأنتظر اكتمال عدد الركّاب متوجّهاً آنذاك إلى الجامعة، وإذا بطفلٍ يقف على باب الحافلة (الميكروباص) تحت المطر وغير مكترث لبرودة الطقس، يقول: (مشان الله ياعمو اشتري مني!)، كان صوته مرتجفاً وكأنّ حالهُ يقول إن عُدتُ دون أن أبيع مامعي سيحدث لي شيء، هذه الجملة التي دفعتني للنظر على الفور إليه وكانت صورته إلى الآن مُتشبّثة بذاكرتي، كان كاشفاً عن ساقه المكسورة والتي أعتقد أنها قد جُبٍرت بطريقة خاطئة، فقد كان البروز في عظم الساق واضحاً ومشيَته عرجاء، آنذاك كتبت عبر صفحتي الشخصية منشوراً هاجمت بشدّة فيه غياب الجمعيات الخيرية والإنسانية والدينية، إضافة إلى غياب الدور الخدماتي للأحزاب في سورية، والآن أعاود الكرّة أيضاً ولكن بأسفٍ أكبر بعد جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، لأننا وللأسف سنكون في انتظار الكثير من الأطفال التي قد تكون شبيهة بحالة هذا الطفل وربما أسوأ أيضاً.

الأمم المتّحدة تقرع ناقوس الخطر

في اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال الموافق لـ 12 حزيران (يونيو)، وضمن الفعالية التي قامت بها منظمة الأمم المتّحدة للعام الحالي 2020، قُدّر عدد الأطفال الذين يذهبون ضحيّة هذه الجريمة الإنسانية بحوالي 152 مليون طفل حول العالم، وللدول العربية نصيب وافر في هذه الأرقام خاصة في الدول التي تشهد حروباً ونزاعات، ولكن هذا العام لم يكن كسابقه من حيث النشاطات والفعاليات لمكافحة هذه المشكلة، وذلك بسبب الصدمة الكبيرة للاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا، فقد باتت حماية الأطفال من العمالة الآن طارئة وهامّة أكثر من أي وقت مضى.

والمشكلة الأكبر في نظري، تتجلّى بعدم معرفة هذا المفهوم (عمالة الأطفال) لدى كثير من شرائح المجتمع العربي عامةً والسوري خاصةً، والذي يشير لاستغلال الأطفال دون سن الرشد وإدخالهم في أتون سوق العمل الذي يصهر مستقبلهم وتحصيلهم العلمي، ويصهر كذلك فترة الطفولة التي من حق كل طفل أن يعيشها، وقد يحمل أحياناً مخاطر كبيرة على صحة الأطفال وهذا الأمر يختلف بين عمل وآخر.

والحقيقة، وبعد أن صفع كورونا سوق العمل والشركات بشكل واضح، وتحديداً في سورية، أصبح الأمر أكثر خطراً على الأطفال في ظلّ الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تشهدها البلاد، فقد يُجبَر الأهل أن يتغاضوا عن خروج أطفالهم للعمل، ولا تستطيع إدانتهم أحياناً، فعندما يقول لك طفل إنه يريد شراء دواء لأمه تعجز عن الرد عليه. وفي المقابل ثمّة الكثير من الأطفال يُجبَرون على ترك مدرستهم والعمل بضغط من الأهل، بسبب سوء الأهل، وأحياناً أخرى بسبب التفكّك الأسري، فجلوس أرباب المنازل في بيوتهم قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة وتحوّلها لكارثة تهدد جيلاً بالكامل.

هل يقوم الإعلام والجهات المعنية بدورٍ كافٍ؟

منذ مايقارب السنة انتشرت على وسائل الإعلام، بشقيّها الإلكتروني والتقليدي إذا جاز المعنى، صورة أو خبر عن فتاة عرفت بـ(فتاة الشعلة) وهذا الاسم لم يكن اسماً فنياً لراقصة، أو عنوان قصيدة لشاعر، بل كان حقيقة لطفلة كانت قد استنشقت لاصق (الشعلة) ورمت نفسها في نهر بردى في العاصمة دمشق، وجرى إنقاذ الطفلة ولكن لم يكن التعامل سليماً مع هذه الحالة إطلاقاً، فقد نشرت جريدة (الوطن) مقالاً كشفت فيه عن مصدرٍ مطّلع في وزارة الشؤون والعمل أنه وبعد إحالة الطلفة لقسم الشرطة لتنظيم الضبط وتقديمها للقضاء، قام القاضي بإخلاء سبيلها على الفور بدلاً من تحويلها لدور الرعاية التابعة للوزارة، وتبيّن في ما بعد أن الطفلة إلى جانب عدد من الأطفال يجري تشغيلهم من قبل رجل وزوجته في مدينة جرمانا مقابل تأمين المنامة لهم، وأكّد المصدر أنها ليست أول حالة يُخلي القاضي سبيلها ويُسبّب بعودتها للشارع.

هذه الطفلة الصغيرة يجري تشغيلها بشكل يُقال عنه شعبياً (الشحاذة) ومثلها كثيرات من الصغيرات اللواتي يُشغّلن بالدعارة والسرقة وجرائم مماثلة بشعة، وللأسف فإن الإعلام لا يأخذ دوره بشكل جديّ كما يهتم ويتابع القضايا والأخبار الفنية والكوميدية، إضافة إلى الفساد المتفشي في القضاء ولا يقوم الإعلام بالإشارة إليه، وبين إهمال هذا وذاك يقع كثير من الأطفال ضحية هذه الأعمال اللّاإنسانية والمشينة.

المؤسّسات التعليّمية تُخفي مشاريع الحدّ من هذه الظاهرة تحت عباءة (التعليم المجاني)

لطالما نتساءل ماسبب انخفاض هذه الظاهرة، عمالة الأطفال، في أوربا وارتفاعها في بلداننا، على الرغم من مجانية التعليم في العديد من الدول الرأسمالية؟ وهل تستطيع المؤسّسات التعليميّة الحدّ من هذه الظاهرة ومساعدة الأطفال جديّاً في متابعة تحصيلهم العلمي؟

جوابي بالطبع نعم تستطيع، لكن غياب عقلية الانفتاح والخطط التعليمية الاستراتيجية يحول دون ذلك، ذلك أن الكثير من المدارس في الغرب تقوم بدراسة حالة الطفل بعناية فائقة، وتقوم العديد من المدارس بتقديم رواتب جزئية للطلاب ما يجعلهم يكتفون مادياً أثناء دراستهم لمنعهم عن الانشغال بأعمال قد تؤدي إلى تخلّفهم عن العلم، إضافةً إلى العمل الجادّ من المرشدين النفسيين في المدرسة، الذين يتمكّنون من فهم مايحصل مع الطفل من الأبوين من تعنيف أو إجبار، وبالتالي يقومون باتخاذ القرارت اللازمة بالتعاون مع الهيئات والمنظمات الحكومية أو الخيرية غير الربحية لإنقاذ الطفل، وللأسف لا يوجد أي شيء من هذا القبيل في بلادنا.

فبغضّ النظر عن الفساد المُتغوّل في كل مفاصل البلد، هناك جهد وعمل تقوم به الجهات المعنية خاصة اتجاه الأطفال الذين خسروا تعليمهم بسبب الحرب والنزوح، لكنّها خطوات بطيئة غير شمولية وتأثيرها محدود، وربما نحتاج إلى عمل ومجهود أكبر وسياسة تعليمية منفتحة وخطط أدق، لتجنّب كارثة انتشار الأمية من جديد وهي ستكون الكارثة الأكبر على مستقبل البلاد بعد الحرب، لذلك لا يمكن الوقوف فقط عند مجانية التعليم، ونكتفي بأننا (عملنا ما علينا) فالأمر أكبر من ذلك وخاصّة أن واقع التعليم الحكومي في البلاد يحتاج إلى تأهيل ونهضة.

الجمعيات والمنظّمات.. (ضحك على اللحى)!

بدايةً، من الإجحاف أن يجري التعميم والقول إن الجمعيات الخيرية والإنسانية تُقصّر في عملها، ولكن الواقع يُجبرنا على الخروج عن الصمت والقول إن الكثير منها تُستغل في مشاريع إنسانية وهمية، وقضايا غسيل أموال وتجارة على حساب شعارٍ رنان يرفعونه، فهذه الجمعيات تنشط وتكثر دائماً في أماكن الحروب والنزاعات، التي هي تربةٌ خصبة لأعمال النصب والتجارة والربح غير الشرعي، فلو حسبنا عدد هذه الجمعيات في كل محافظة في سورية، نجد أنه من غير المنطقي رؤية حالات التشرّد والعمالة للأطفال، ولكن هذه الجمعيات تعمل بغير رقابة عليها، وتُتاجر بالحالات الإنسانية لأسباب قد أشرت إليها، ويُترك عاتق العمل الفعلي على قلّة من هذه الجمعيات لا تستطيع ملء الفراغات والثقوب في المجتمع.

وبالتالي، إن الحديث عن هذه المشكلة اليوم لا يكفي لأنها في تفاقم مستمر في ظلّ الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، ولا يوجد سبيل للحل إلّا بخطط تعليمية دقيقة، وأن يؤخذ الأمر بعين الجدّ من قبل وزارة التربية والتعليم وزيادة الجهد من قبل المرشدين النفسيين في المدارس، إضافةً إلى الرقابة ومساءلة للجمعيات الإنسانية والخيرية وفسح المجال للأنشطة من المجتمع المحلي، سواء من جهة خدماتية الأحزاب السياسية أو الحملات الشبابية، والأهم من ذلك جهد الإعلام ومكافحة الفساد في ميدان القضاء بشكل رئيسي، وإلّا فقد نكون أمام كارثة إنسانية لجيل كامل معظم أطفاله وخاصة في مناطق النزوح، سيكونون بلا علم ولا تعليم وأدوات لمشاريع استغلالية شنيعة بكل الأشكال والصور.

العدد 937 - 25/11/2020